الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / الإنسان المقدَّس (افتتاحية العدد 497-498)

الإنسان المقدَّس (افتتاحية العدد 497-498)

افتتاحية العدد 497-498رئيس التحرير
بعد سقوط الموصل وبلدات سهل نينوى وسنجار بيد جماعات مسلحة، أضطر الآلاف من شعبنا إلى ترك مناطقهم والتوجه إلى كردستان. ولكثرة عددهم، لجأوا إلى الحدائق والشوارع بعد إمتلاء المدارس والقاعات والكنائس. ولدى تفقد أحد الأساقفة رعيته، وجد أناسًا نائمين حول مذبح الكنيسة، فسأله أحدهم: “كيف يصح هذا نظرًا لقدسية المذبح؟” فصرخ الأسقف قائلا: “إن الإنسان هو المقدس لا البناء والحجارة”.
يبدو أن الإنسان لا يتعظ من دروس الحياة وتاريخ الشعوب ومحنها، ولا يتعلم من معاناة وتضحيات الضعفاء والمهمشين. فكما خلق الله الحياة، في بداية الخلقة، هكذا خلق الإنسان الموت مع قتل قايين لأخيه هابيل. وها هي الكرّة تُعاد مرة ثانية وثالثة في زمننا المعاصر.
ما نشهده في بلدنا حاليًا، هو أن الإنسان يُذبح على مذبح العراق وكأن الدم العراقي صار رخيصًا إلى حد العدم والموت. هل يمكن التعامل مع الإنسان عمومًا، ومع العراقي خصوصًا بهذا الرخص والرذيلة؟ إن كان العالم الغربي يتباهى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فنحن لدينا إيماننا وأدياننا المتعددة التي أعطت للحضارة العالمية الكثير من قيمها الحالية، لكن يبدو، مع ذلك، بأن الأديان وقفت عاجزة لا تستطيع ردع الإنسان من اقتراف الجرائم وأخذ جانب الشر في قراره الوجودي. القضية إذن مصيرية والإنسان العراقي يحتاج إلى ضمير حي كي ينهض من كبوته. فلم يعد الأمر يتعلق بهذا الدين أو ذاك، وإنما بمصير الإنسان ككل في قلب العراق. فإما العيش معًا، وهذا هو معنى وجود البشرية على الأرض، وإما التفكك والتحلل والزوال!

هجرات مستمرة منذ قرون
لمن يريد قراءة الذاكرة العراقية منذ القرن السادس عشر، يكتشف أن شعبنا عانى، منذ مجيء العثمانيين إلى العراق، سلسلة هجرات إن كانت في جبال حكاري، أو باقي أراضي العراق ليومنا هذا. فعلى سبيل المثال، قبل قرن من الآن، صدر “فرمان” عثماني لملاحقة المسيحيين في مجزرة رهيبة راح ضحيتها الملايين من الأرمن والآلاف من شعبنا في شمال العراق وجنوب تركيا. كان هذا دافعًا لشعبنا للهجرة نحو المدن العراقية أو بلدان الجوار. ثم في ستينيات القرن الماضي، مع الثورة الكردية وثورة الشواف، أضطر عشرات الألاف من شعبنا إلى الهروب من الشمال ومن الموصل إلى بغداد لبدء حياة جديدة بعيدة عن العنف.
ولم تتوقف دوامة العنف منذ حرب عام 2003 ضد كل الشعب العراقي، التي فتحت الأبواب هذه المرة إلى هجرة جديدة إلى بلدان العالم، لتحدث تمزقا كبيرا في نسيج المجتمع العراقي الذي بدأ يفقد الثقة بين أطيافه. هكذا توالت الحروب على الرغم من إرادة الشعب وحبه للبناء وللحياة وللسلام، فلم يتسنَ للعراقيين أن يذوقوا طعم الحياة السعيدة إلا لسنين قليلة خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

الإنتماء المريض
إن نظرة سريعة إلى تاريخنا القريب، منذ أعوام الثمانينيات، ولحد اليوم، تعطي لنا نظرة بأن الإنسان ممزق من الداخل ويبحث عن المعنى. ففقد الإنسان العراقي انتماءه إلى الأرض والإيمان لصالح “الهويات القاتلة” (كتاب المفكر أمين معلوف 2002). فالروح العراقية آلت إلى المرض لأن المشروع الجسدي والمادي في العراق تضرر كثيرًا بالحروب والحصار وبات يجرح الذات العراقية. فصار الإنتماء المريض انتفاخًا للأنا وصرخة للآخرين من أجل الهوية الضيقة على حساب الوطن، التي تبلورت كحالة انفصال سلبية بدلا من أن تكون فرصة للتجديد واللقاء. فمشروع العراق يعني القوة لاستيعاب كل ديناميكية الجسد والروح لتركيزها على الله لأننا أبناؤه. هكذا الصراع مستمر وعلى الروح العراقية الجريحة أن تكون مستعدة للتمسك بالقيم السماوية والدفاع عن كرامة الإنسان المقدس.
إن خطيئة المجتمع العراقي هي عدم الإحساس بالشركة وبالمحبة، فكل شيء وكل إنسان صار مبتذلا. فأضحت الحرية والضمير محاولة للخروج من سيطرة الله، بينما الحقيقة هي أننا محدودون وبأننا نعتمد على الله الذي يريد مصارعة الخطيئة والكراهية وعدم العدالة الموجودة فينا، كي يبلسم ويشفي جراحنا الكثيرة. ربما الخطيئة هي ابتعاد عن الله في مفهومنا، لكنها يمكن أن تكون كاشفة لرحمة الله في عالمنا إذا رأينا نعمته أكبر من الخطيئة. هكذا لنعد إلى صوابنا وبدلا من قتل الأخ هابيل، يمكن لقايين أن يعطي ذاته من أجل أخيه. فالبلاد تُبنى بالعطاء وبذل الذات، ورفض الأنانية والمصالح الشخصية والفوضى.

الشر يريد قتل الله فينا
تبدأ الخطيئة عندما يرفض الإنسان كيانه، وهو بهذا يرفض الله والإنسان في آن واحد؛ فيصبح على النقيض من الوجود والكينونة. هكذا يستفحل الشر ويتمخض عنه سلبية في الوجود، ويمتد إلى أبعد حدوده عندما يتفنن في قتل الإنسان وتشويهه ورفضه جملة وقاطبة. ها هي قطيعة قايين تتأصل في الشر الموجود في العالم وتصبح نقطة إرتكاز لكثيرين لأنهم بكل بساطة يؤمنون بالعدم والقطيعة، إنه نوع من الإنتحار الإنساني. وهذا يدفع إلى طرح أسئلة وجودية ومصيرية على المؤمن، لأن الشر، في أيامنا هذه يظهر وكأنه مصدر إحباط لإرادة المؤمن أمام مشيئة الله, المتمثلة بالخير والسلام والصحة، بينما لا يجد المؤمن غير الشر والعنف والمرض، وكأن الحياة أصبحت شبكة من المتاهات المعقدة.
إن وضع العراقي الحالي يتمحور حول هذه المتناقضات التي يعيشها من كل حدب وصوب، فالبريء هو الضحية أصبح فريسة للجميع. هكذا يصبح العراقي مكان تكالب كل خطيئة العالم عليه، مثلما كان يسوع على الصليب. فعلى الصليب كان الله ضحية الشر، مثلما الإنسان اليوم هو ضحية الشر، الذي يريد قتل الله فينا ويمتص كل طاقتنا الخلاقة ويحرمنا من البناء والإبداع والمسؤولية.
وعليه وقعنا اليوم في كآبة جماعية ويأس تحوّل إلى إتهامات ومرارة ولوم الآخرين على كل شيء. فعلا بدأ الشر يحصد أولى المعارك مع الإنسان حينما يقذفه إلى الفوضى الأولى، إلى العدم وقطع العلاقة، باختصار شديد، الشر، في قوته، هو ضياع الإنسان. وفي هذا الواقع المعاش المرير، يتبنى الكثيرون أقنعة من الخداع وفقدان الثقة، ويضطرون إلى الكذب ومجاراة الشر، معتقدين بأن الشر هو الناجح الأخير في الحياة، بينما هو “الناجح الفاشل” الذي لا يدوم كذبه على الله والإنسان لمدى الحياة، بل يتعرى ويذهب إلى العدم أمام قوة وعناد الحياة والخير.
هكذا لا رحمة في الشر لأنه مطلق وغير معقول، ويخلق قلقا لا يمكن تفسيره وخوفًا حتميًا من الموت، مما يضعف لدى الإنسان قابلية المقاومة لديه. وتتفاقم المشكلة عندما يشعر المؤمن بغياب الله عند حدوث الشر، وهذا يمثل عثرة كبيرة في عراقنا اليوم. بيد أن يسوع، الذي كشف لنا الآب، كشف أيضًا أن الذي يهمه هو الإنسان الضحية قبل أي معاقبة للمذنب. فالله، في كل الأديان، منذ البدء يرفض الشر ويصارعه، ويدعو الإنسان إلى التلاحم مع الخير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*