الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / التربية في زمن العنف، إفتتاحية العدد 523-524

التربية في زمن العنف، إفتتاحية العدد 523-524

التربية في زمن العنف، إفتتاحية العدد 523-524

نائب رئيس التحرير، الأب د. هاني بيوس                                      

في عام 1996، سُئلت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة خلال الحصار على العراق في مقابلة تلفازية: هل كان قتل نصف مليون طفل عراقي، وهو أكبر من عدد ضحايا هيروشيما، يستحق ذلك؟ فقالت بكل قسوة: “نعم يستحق ذلك”. وجوابها يترجم مقولة عسكرية “خسائر جانبية”، ظهرت لأول مرة في حرب أمريكا على فيتنام (1955-1975) أطلقها الجيش الأمريكي ليبرّر ما أسماه بخسائر “طبيعية” أو “شرعية” بالأرواح والأموال، ناجمة عن أي فعل عسكري. لقد أصبحت هذه المقولة واردة، مع الأسف، في الكثير من الصراعات الدولية. من هم الأكثر عرضة لهكذا مقولة سوى الأضعف من الأبرياء في المجتمع؟ أليس الأطفال في مقدمتهم؟

يبقى الطفل في العراق من “الخسائر الجانبية” للعنف الذي يمرّ به مجتمعنا: حروب وحصار واستغلال بأبشع صوره في الحروب. لقد تشبّع الطفل العراقي من ويلات الحروب المتتالية وصراعات السلطة في البلد. حاول الطفل العراقي منذ عقود أن يفهم ما يحدث حوله من عنف. فهو مأخوذ بين عالم “الكبار” – الذي غلب عليه عالم العنف: فـ”الكبار في نظره هم من يتقاتلون دائمًا” لأنه لم يرى سوى هذا الوجه البشع ولا يزال يراه في المجتمع- وبين أحلام طفولة ضائعة لم يعشها! إنه يعرف أنواع الأسلحة وكيف يفكك البندقية، لا كيف يلعب بشكل بنّاء أسوة بأطفال مجتمعات وفّرت ظروف طفولة لأجيالها. لقد تشبّع من رؤية الدم والموت والكراهية فأُجبر على أن يصبح راشدًا قبل أوانه. فضاعت كنوز طفولته ومعها براءته.

عندما يسعى مجتمع إلى أن يدوم فذلك مشروط بهمّته الدؤوبة في توفير أنجع طرق في تربية أولاده، ومنذ نعومة أظفارهم. فمستقبله مرهون بما يغذي أجياله كون مصيره بين أيديهم. فلا يُبنى بلد بين ليلة وضحاها وبعصًا سحرية من ليلة من ليالي آذار من عام 2003. لكن ذلك يتطلب عقودًا لا بل قرونًا كي يضع مقومات ديمومته. هكذا فليست التربية عملا كباقي الخدمات الإدارية لكنها أهم مشروع يصون بقاء مجتمع عبر التاريخ. فتحتاج تربية أجيال واعية إلى مجهودات مضنية تبدأ من أول عش يحتضن الطفل إلى آخر مرفأ علمي يبلغه. فكما أن همّ بقاء البلد ووحدة أواصره من أرفع القيم المجتمعية هكذا بالنسبة إلى تربية النشء الجديد الذي يجب أن يُرفع إلى مقام “مقدس”. هكذا رفعت أغلب المجتمعات التي تتمتع بالسلام التربية والمربون إلى مرتبة القداسة لأن دور التربية والتعليم يكمن في زرع الثقة في المستقبل. لقد أكدت منظمة الأمم المتحدة، من خلال مؤسساتها العديدة والمعنية بشؤون الطفولة والتعليم، على أهمية التربية والتعليم في بناء مجتمعات واعية على السلام العالمي.

إن أطفالنا اليوم مظلومون وهم ضحية الحروب – على أنواعها. فنظامنا التربوي، انطلاقًا من الروضة إلى آخر مراحل التعليم العالي في الجامعات قد شُلَّ لا بل تفكك فلم يعد بمقدوره تنشئة جيل إيجابي في طموحاته. فترُكت أجيال من أطفالنا تتخبط في طريق غامضة محفوفة بالمخاطر وباتجاه مصير مجهول. ومعها يتوجه مجتمعنا إلى ذلك المصير الذي لا يمكن لأحد التكهن به ولكنه يبقى حتميًا أن ندرك الأمر قبل فواته. أين ميزانية الدولة المفروض أن تخصص لإعداد أجيال مستقبل البلد. لقد بقى الكثير من مرافئ العلم في العراق كالمدارس والجامعات في مستوى أقرب إلى العصور الحجرية. بينما بلغ التعليم في باقي دول العالم شأنًا رفيعًا. إن عجز مؤسسات الدولة على تلقي النشء الجديد قد انعكس على الأسر العراقية التي تتخبط هي الأخرى لكسب لقمة عيشها اليومي منتظرة راتب نهاية الشهر كي تبقى على قيد الحياة وكأنها “تتسول” ما يجب أن تستحقه!

إن إحدى أهم سلبيات البعد التربوي في العراق ظهرت في تفشي ظاهرة “الأجانب” المختصين الذين بدأوا ينهالون على البلد بواسطة “ايدي خفية” تستميل الأيدي العاملة إلى البلد وكأن البلد فرغ من أبنائه المثقفين! في حين أن مئات الآلاف لا بل الملايين من شبابنا العراقيين يمكنهم أن يشغلوا تلك المناصب. فالكل يتذمر من البطالة في حين أن “سوق العملة الصعبة” من الأيدي العاملة الأجنبية قد اجتاحت البلد وسيطرت على كل الوظائف الحساسة فيه. فيندهش المرء مثلا من إعلانات التلفاز التي تقوم بالدعاية لكذا طبيب مثلا “دكتور فلان بورد…” وكأن البلد قد فرغ من أطبائه! لماذا يأتي طبيب من بلد آخر كي يمارس مهنة الطب إن كان هناك أطباء في البلد. فيدخل بلا نظام ويخرج كما يحلو له ويمارس مهنته. وما فرقه عن باقي “تجار البشر”؟ عندما يغامر أبناؤنا في معترك الهجرة يعصر قلوبهم ألم معادلة شهاداتهم والحظ قد يحالف البعض منهم. أما الأطباء الغرباء فيمارسون “طب التجارة” في العراق ولا أحد يتجرأ ليتساءل عن السبب؟ فهو يأتي لفترة وكأن عليه أن يشارك في “سوق الغنائم” لمرضى العراق الذين أصبحوا فريسة للجميع!

وهذا من عواقب تدني المستوى التربوي والتعليمي الذي لا بد أن يدلو بدلوه في مأساة العراقيين البسطاء والطيبين.

هكذا فإحدى أهم نوافذ الخروج من مأزق بلدنا هي “عجن” عقول صغارنا على حب بلدهم وذلك لا يتم إلا برعايتهم كأبناء لا بالترهيب والفساد لكن في أن يشعروا بحب الدولة لهم كي “يفدوها” بأرواحهم في المستقبل إن لزِم الأمر. وإلا سيترك الجميع البلد لا بدافع رغبة في الهجرة نفسها أو كره “لعراق الخيرات” لكن بسبب كونهم مرغمين على ذلك. وكأن سياسة البلد تعمل كل ما بوسعها لإخراج كل العراقيين! فالاهتمام بالجانب التربوي من خلال إعداد مربين تسكنهم “قدسية” التدريس يبقى الحل الأساس. ما زلنا نتذكر اساتذتنا القدماء باحترام كونهم أوصلونا إلى ما نحن عليه اليوم.

إنهم الأب “الثاني” الذي عاون والدينا في تربيتنا. هل يمكن أن نغرس في نفوس أطفالنا هذا الحب كي ينقلوه إلى أجيال المستقبل؟

فليست التربية حصرًا إذن على المدرسة أو الجامعة لكن يجب إشراك الأسرة بشكل فاعل فهي تمثل لبنة المجتمع الأولى والأساسية. فتهميش الأسرة وتركها لمصيرها في تربية أطفالها هي إقرار صارخ بالرغبة في بناء “عشائر” و”دول صغيرة” ضمن “شبه بلد”. هل مدارسنا وجامعاتنا وكل مرافئنا التربوية والعلمية ما زالت “تنجب” مواطني المستقبل؟ إن الإصلاح في أي مجتمع كان لا يجب أن يسير وفق منطق “الوظيفة للأقوى- والرشوة للحصول عليها” لكن في أن يراعي مؤهلات كل متعلم ودارس كي يترسخ في بناء البلد. فعندما يكتشف الشعب أن بعضًا من قادته لم يجتازوا حتى الدراسة المتوسطة أو حتى عبروها “بدفعة” لا بد أن يصيبه الإحباط من كل شيء وتسودّ الدنيا في عيون الجميع.

ليست غاية هذه السطور إضافة نظرة سوداوية تشاؤمية على “كل” ما موجود لكن بث الوعي لدى مؤسسات مجتمعنا التربوية على هذا الخطر الكبير الذي يندس في جسم البلد فيقضي على ما بقي من “حس مواطنة” تجاه العراق. لا توجد عبارة “الوقت متأخر” جدًا على الإصلاحات. فبالإمكان درء هذا الخطر من خلال مصارحة الشعب العراقي بجسامة الأزمة التي نمر فيها ومن ثم جعله يشارك فعليًا في الإصلاح. فإبقاء الشعب “متفرجًا” وإخراجه من عملية الإصلاح الجذري يعني الرغبة في إبقاء “أزمة” المواطنة وهذا ينطوي على نية دفينة لإبقاء البلد متفككًا.

لقد جُبِلت عقلية أطفالنا في العنف ومنذ أجيال. فالتربية الصحيحة والنزيهة تتضمن إعادة صياغة بنية أطفالنا الإنسانية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*