الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / التربية في عالم شبكات التواصل الاجتماعي، إفتتاحية العدد 527-528

التربية في عالم شبكات التواصل الاجتماعي، إفتتاحية العدد 527-528

التربية في عالم شبكات التواصل الاجتماعي، إفتتاحية العدد 527-528

نائب رئيس التحرير، الأب د. هاني بيوس

من لا يملك حسابًا على “الفيسبوك وتويتر وواتساب” غريبة؟! هذا سؤال جعل شخصًا يستغرب كثيرًا من صديقه عندما أجابه “ليس لي حساب فيه”! وكأن هذا الحساب على التواصل الإجتماعي يجعل منه شخصًا “موجودًا” أم لا! يكشف هذا الحوار، عن تساؤل مستتر لا تعيه الغالبية العظمى ولا تدرك مخاطره على الشخص وعلى من يحيطون به وعلى المجتمع بأسره.

مارك زوكربيرج مبرمج أمريكي والرئيس التنفيذي للفيسبوك، جمع ما يزيد عن مليار مشترك في موقعه، يعد سادس أغنى رجل في العالم، فقد أصبحت الشركة ذات قيمة بلغت 47 مليار دولار أمريكي، بين عامي 2004-2015. لقد انطلق يبني مملكته على خصوصية الناس. فلم تكن له مادة خام بل كانت حياة الملايين وخصوصياتهم تلك المادة الخام.

هناك من يقدم برهانًا على أن الفيسبوك، كباقي وسائل التواصل الإجتماعي، يقدم خدمة تواصل آنية رائعة للملايين ليجعلهم يتبادلون الأخبار عن طريق المحادثة والصور. فكثير من الأصدقاء وجدوا زملاء الطفولة في المهاجر عبر آلاف الكيلومترات فأعادوا صلة صداقاتهم القديمة. إنه لشيء رائع أن يقطع المرء مسافات بثانية يرى البعيدين ويتواصل معهم. لكن وسائل التواصل جعلت النّاس حتى القريبين من بعضهم يحجمون في كثيرٍ من الأحيان عن التّواصل فيما بينهم تواصلاً شخصياً عن طريق الزيارات، يعتمدون على هذه المواقع لتبادل التّهاني بالمناسبات المختلفة والاطمئنان على الأقارب والزّملاء.

هل تتوافق الخصوصية مع استخدام وسائل التواصل: فيسبوك، تويتر، سكاب بلوك، سكاي روك…؟ ما هي المخاطر التي تنطوي عليها اليوم؟ هل هناك شفرة أخلاقية يمكن الإعتماد عليها لتحديد تجاوز حدود خصوصية الفرد أم لا؟ كيف يمكن استخدام الشبكات الإجتماعية بشكل ناجح؟ كيف يمكننا التعامل مع الشد الحاصل بين الحاجة إلى التواصل والحدود التي وضعتها أخلاقياتنا المجتمعية؟

الفيسبوك منتج لا يصدق، مثير للإهتمام، مفيد، وسهل الاستخدام. مجاني! ولسوء الحظ، فإن المسألة ليست طابع “المجانية” التي يحملها. إنه مكان يثير إشكالية كبرى. لماذا لاقى الفيسبوك، ويلاقي نجاحا كبيرا، هل لكونه مجانيًا تماما؟ وهذا سؤال يجب طرحه أكثر من مرة. ما يجب معرفته أن ما وراء الفيسبوك والشبكات الإجتماعية ومحركات البحث مثل غوغل، برامج تجمع المعلومات عن كل مستخدم. عندما يجوب شخص على شبكة الإنترنت يترك آثار مروره الخاص. حتى إن كان ملفه الشخصي “مجهول الهوية”، فهو يترك عنوانه الخاص به وعنوان الجهاز الذي يتحدد موقعه جغرافيًا. كلما كشف الشخص عن نفسه، كلما كوّن الموقع المعلومات عنه، هكذا يتم تتبع أثر كل مستخدم.

مجانية كاذبة

تطرح مسألة أخلاقية نفسها عندما يخترق الإنترنت حياتنا الشخصية. ما يميز الفيسبوك والشبكات الإجتماعية عن الإنترنت كونها أكثر ثباتًا نتعلق بها في كل لحظة وتجعلنا نشعر باستكشاف العالم. يبقى الواقع مختلفًا تماما لأن العالم يأتي تجاه المستخدم ليدخل منزله. كل موقع نزوره يجمع معلومات تعكس شخصية المستخدم ويساعد الشركات في طرح إعلانات منتجاتها الهادفة بحسب كل شخصية. إذا عدنا إلى محركات البحث، نلاحظ أن أهمية النتائج هي، لأول وهلة، فائدة للمستخدم. لكن وراء هذا المظهر المحايد ربما كانت تخبيء قضايا تجارية.

الخصوصية في خطر

تدير عالم الإنترنت آلات تعالج المعلومات وتحتفظ بها فتجعل منها سلعًا لرقمنة المحتوى. فالشبكات الإجتماعية وسيلة للإتصال، وبصرف النظر عن قدرتها الهائلة في خرقها الخصوصية لأغراض تجارية، هناك أيضا خرق للخصوصية بين المستخدمين. فهم ليسوا دائما مخلصين لفكرة التواصل بعضهم لبعض. توجد أحيانا نوايا خبيثة ضد مستخدمين آخرين. إن استخدام الشبكات الإجتماعية في متناول الجميع، وهذا هو السبب في أن هناك مسؤولية أخلاقية كبيرة تقع على عاتق المستخدمين. مع الآلات الحاسوبية يمكن للمرء استرداد أي محتوى. فتقلل الشبكات الإجتماعية من شأن مفاهيم الزمان والمكان. إذ تقوم محركات البحث بإعادة تفسير جميع المعلومات حتى القديمة منها كما لو كانت دائما معلومات جديدة. وبما أنه يمكن الوصول إلى كل شيء في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن فليس هناك شيء يختفي، هكذا أضحى من الصعب مسح ماضي شخص شفي في فترة ما قبل أن يعيد الإنترنت تذكيره ليفتح معه جرحًا قديمًا.

نشر كل شيء مباح

يؤدي عدم نضوج العديد من المستخدمين في أحيان كثيرة إلى إغراء نشر كل شيء، قول كل شيء… دون سيطرة، دون قياس الواقع. الخطر وراء نشر صورة لشخص أو كتابة تعليق معين. فـ 49٪ من متصفحي الإنترنت ينشرون بالفعل صور أشخاص آخرين دون ترخيص قانوني!

هل لقول كل شيء عن الخصوصية في الفيسبوك هدف آخر سوى محاولة أن نثبت وجودنا على مستوى آخر؟ هل هناك حاجة حقيقية أو رغبة في استعراض نفوسنا؟ ولكن إذا أظهرنا كل شيء، إذا قلنا كل شيء، فهل يمكننا بعد ذلك أن نتساءل لماذا نستغل من قبل غوغل والفيسبوك وتويتر وغيرها من خلال ما نقدمه لهم؟

تواصل بنّاء

مع ذلك لا يمكن لهذا البعد السلبي – الذي يجده المرء في كل وسيلة سواء كانت وسائل التواصل الإجتماعي كغيرها من الوسائل – أن يخفي دور هذه الوسائل الإيجابي في بناء جسور أجبرت ظروف الحياة من هجرة وابتعاد قسري على إبقاء أواصر الروابط العائلية أو الصداقات. فكم من عائلة تشتّتت بين أربع قارات فأصبح من الصعب التواصل الواقعي. سدت هذه الوسائل فراغ العلاقات بين أشخاص العائلة الواحدة المبعثرين، ووفرت فرصًا في المجال التربوي عن طريق “التعليم عن بعد” (E-Learning). فكثير من المؤسسات التدريسية بدأت تعتمدها في لمس شريحة مجتمعية لا يمكنها أن تتبع أسلوب الدراسة التقليدي.

تربية واعية

يبقى كل مستخدم إنترنت مسؤولا عن تصرفه الشخصي. لقد أصبحنا خليطًا من هذا النمو الرقمي ومن حياتنا الحقيقية. فما هي مقومات بناء شخصية في معمعة هذا الخليط من الواقع والرقمي. فمن الضروري أن يكون الشباب خاصة على علم بهذه الحالة. هل يمكننا الإعتماد على الوالدين؟ فهم أنفسهم يفتقرون إلى المسافة والمعلومات! على الوالدين خطو خطوة كبيرة ضمن عالم التربية. فلا يمكن للأهل منع دخول أبنائهم من المشاركة في شبكات التواصل الإجتماعي، وهذا بالأساس أمر مستحيل، أن نعيش في عالم أضحى فيه الإنترنت الوسيلة الأكثر للتواصل وتبادل المعلومات. بل على الوالدين مساعدة أبنائهم في إمتلاك وعي في الإيجابية التي يمكن أن يستقوها من هذه الوسيلة. وهذا يعيدنا إلى نقطة البداية في التربية ألا وهي ضرورة بناء علاقة تستند الى ثقة متبادلة داخل الاسرة بين الأهل والأطفال. وهذا لا يتم إلا ضمن حوار شفاف يزرع الثقة في نفوس الأبناء. يجب أن تبدأ رعاية الأهل لأبنائهم منذ الصغر، لأنها تحقق التقرب إليهم، وتمنحهم الثقة، فالشمول الأبوي هو الذي يجعل الوصول إلى أفكار الأبناء عملية يسيرة ومفيدة في آن واحد.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*