الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / التقدم في زمن الترقيع السياسي، إفتتاحيّة العدد 539-540

التقدم في زمن الترقيع السياسي، إفتتاحيّة العدد 539-540

التقدم في زمن الترقيع السياسي، إفتتاحيّة العدد 539-540
نائب رئيس التحرير، الأب د. هاني بيوس

يعلم الجميع أن غالبية المجتمعات العربية، على الرغم من كونها دولا ذات سيادة تشريعية و(انتخابية؟) ظاهريًا، تحكمها فكرة العشيرة وتتبع المقولة: إن “الأكبر منك يومًا أعلم منك بسنة”. تضحى هذه المقولة صحيحة عندما تستند إلى طول الخبرة الحياتية لا العلمية، فتأتي خبرة الإنسان من وقائع أعمق بكثير من المعرفة العلمية، حيث أن الأكبر عمراً هو من “كدّس” خبرة طيلة سنيه. لكن هل تتلخص الحكمة فعلا في كثرة سنوات الإنسان؟ ألا يمكن أن نعارض تلك المقولة بهذا المنطق: “أيهما الأهم: نوعية الخبرة أم كميتها؟” أو هناك من يضيف إلهام كلام المسيح عن “مثل الوزنات” (مت 25/ 14-30) ليقول: “التكديس لأجل التكديس، ألا يؤول إلى الفساد”. وشعوب الشرق بحكم كونها من أصول رعوية أو فلاحية، فهؤلاء يدركون عواقب التكديس السلبية. من ينظر إلى حال شعوب الشرق يستخلص هذه النتيجة: غالبًا ما نقع في تكديس خبرات القدماء والتقليد إلى درجة أن تلك الخبرات قد فسُدت فعلا، إما لسوء استعمالها بدراية أو عدم دراية أو لانتهاء صلاحيتها! وكل هذه دواعٍ صحيحة. فأضحت سمًا زعافًا يفتك في الأجيال الجديدة كلما ظهرت في الوجود.

“الشجرة تُعرف من ثمارها”

نجحت بعض الدول العربية – أقله إلى هذه اللحظة- في إبقاء مجتمعاتها “سائرة”. وكان هذا بفضل ذكاء بعض حكامها عندما تحاوروا مع شبابهم فتنفسوا الصعداء من خلال انفتاح هؤلاء الساسة مع حكمة باقي الشعوب وبخاصة الغربية منها. لكن ليس هذا حال معظم المجتمعات العربية. وهذا تواضع وجب على المرء الوقوف أمامه بتبجيل عندما نقبل “أن نتعلم من الآخرين”. ليست الفكرة هنا تفضيل جيل عمري على آخر، لكن في مبدأ الإبقاء على ديناميكية المجتمع التي هي لا شك حصيلة تلاحم اتجاهات عدة، لا في بقائها سجينة مقولات وتقاليد قد “أكل عليها الدهر وشرب”.

تستند ديناميكية مجتمع وديمومته إلى “فاعلية” أبنائه. لم يكن الشاعر الألماني يوهان غوته (Goethe) (1749-1832) يفضّل الشباب على حساب باقي الفئات العمرية عندما كتب يوما: “يتوقف مصير كل أمة على شبابها”. لكن مقصده إنصّب في ضرورة “التجديد” وقبوله ضمن منظور تقدمي بنّاء. وهذا لا يحدث إلا ضمن “تعشيق” للإرادات الطيبة بغض النظر عن الأعمار والجنس والخلفية الدينية والفكرية.

المجتمع، جسم حيّ

هكذا تأخذ مكانة “الشباب” عمقها عندما يفسرها المرء ضمن منظور حيوي. فيمكن للشيوخ أن يكونوا شبابا والشباب شيوخا! والمهاتما غاندي (1869-1948) أفضل مثال على هذا التلاحم. فكان أنموذجا لديناميكية رجل واحد حرر أمة تجاوزت المليار والربع نسمة اليوم. تعد المجتمعات العربية من التجمعات السكانية الشابة في العالم. ويعكس المجتمع العراقي حقيقة “شبابية” إذ تبلغ نسبة الشباب (15- 29 سنة) فيها أكثر من ثلث السكان، أي ما يقارب 12 مليون نسمة. إن هذه طاقة هائلة لو أخذت على محمل الجد. وهذا ما تحلم بامتلاكه المجتمعات الغربية، التي أصابتها الكهولة. فشعر الغرب بقدِم المشكلة منذ عقود فقام يستعين بالهجرة وخاصة الشبابية كي يبقي على حيوية مجتمعاته ورفده بالأيدي العاملة. وهذا يذكرني بحديث مع المطران يوسف توما عن سبب استقبال السويد لعدد كبير من اللاجئين، فروى لي قصة نجار عراقي هاجر إلى السويد وهو في سن التقاعد. قال له رجل سويدي: “عملك ماهر جدا”. فشجعه هذا الكلام ليطلب منه أن يجد له عملا فكان الجواب قاسيا: “نحن لم نستقبلك في السويد من أجلك أنت لكننا في حاجة إلى أولادك الشباب”. في العراق، نملك الآلة والطاقة لكن لا زالت أصابع شيوخ السياسة تداعب بياض اللحى لتجسد “شبه” حكمة، تدير مصير أمة ومعها مصير ملايين يحلمون بحياة أفضل. فالكثير يترك وبخاصة الشباب.

“من له أذنان فليسمع”

لكن من يتعظ! أليست الحكمة الحقيقية الابتعاد عن مقولة من قرأها -ولا يزال- لا بد أنه قرأها بشكل معكوس وعن قصد. فكل شيء في الدنيا وكل منطق هو “سيف ذو حدين”. فيمكن أن يكون التشبث بفكرة طول العمر-خبرة أكبر، “عكازا” مرضيا عوض أن ننظر إليها كرسيًا وثابًا يرفعنا إلى الأعلى. وهذا حال معظم السياسيين في العراق الذين تجاوزوا سن التقاعد. وما زالوا هنا يديرون زمام الأمور! بالنسبة إليهم “لا زمن للسياسي أو بالأحرى إنهم خارج الزمن”! والغريب في ذلك أن الانتماء إلى حزب أو تيار متشدد دينيا أو ليبراليا، يفرض على السياسيين إما أن “يكبروا” بالعمر أو “يصغروا”؟! فتراهم، مثلا، يسيرون وفق هيئة معينة أو تظهر علامات المشيب على وجوههم بين ليلة وضحاها.

لماذا التمسك بمظاهر سطحية لا تقدم لا بل بالعكس، تؤخر. يبدو أن الشلل الذي تحدثه التقاليد السطحية، المبنية غالبا على عقلية ماضوية، يبقى السبب الرئيس في شلل مجتمعاتنا. فعندما تقف التقاليد حاجزًا بين تنفس البلد هواء جديدا، فتلك التقاليد ومنها العشائرية لا تمثل سوى شلل ومرض ورثناه لأنه “هكذا كانت العادة” منذ القدم، فنجرجره معنا ومنا إلى أولادنا. “ألا يجب أن نترك إرثا لأولادنا؟!” وما الذي نتركه للذين يأتون بعدنا؟ لا شيء بل مشاكل وسواد المصير. ومن يدفع الثمن سوى أولادنا وأحفادنا. كما كنا يومًا نحن أيضا ضحية لعمى ماضينا! كتب الفيلسوف الألماني هانز جوناس (H.Jonas) (1903-1993): “ألسنا مدعوين الآن إلى نوع من الالتزام الجديد الجذري، وهو أمر لم يكن موجودا من قبل، وهو تحمل مسؤوليتنا عن الأجيال القادمة وحالة الطبيعة على الأرض؟[1]“.

الترقيع: عشوائية الجديد ورثاثة القديم

ولكي يبقى “المجتمع يسير على الأقل أمام أنظار المجتمع الدولي، يسعى ساستنا ورؤساؤنا في كل مكان إلى البحث عن صيغة لإبقاء سطحية التقاليد تُسيّر “وحدة” وهمية لمجتمع مترهل ومنحل. فيأتي “الترقيع” للحديث، في آخر تقليعاته، على تقليد عشائري يعيش في سجن عقلية “أكبر منك يوم أعلم منك بسنة”. لا زلنا نقيس كل شيء بميزان “الجاهل” كلمة من الدارج العراقي لوصف الطفل! متى سيأتي يوم يتاح “للجهال” الفرصة أن يبنوا شخصيتهم فيخدموا أرضهم عوض أن ندفعهم إلى الهجرة؟ فيبقى السائد هو مجتمع و”جيخانات” شيوخ البرلمان وحتى في أسر لا تختلف في عقليتها عن عشائر فارغة بهيبة وهمية لا زالت تسير وفق منطق عصر الحجر!

من يُفهم مجتمعاتنا أنه قد ولى زمن فيه: واحد فقط يقرر مكان الكل. فطالما بقي التمسك الأعمى بما “لا نفهمه”، يأتي الترقيع حلا لا مناص منه، المهم أن البلد “يظهر” أنه يسير! لا يمكن أن يتمتع الفرد بالهواء النقي في بلد ومجتمع “يُرقع” كل شيء والتقاليد البالية تأتي إرثا، كل مرة يتجرأ أحد على فتحها يدفع الثمن غاليًا وغاليا جدًا. هناك طريقة للتعامل مع تنوّع مكونات المجتمع. فالمهم هو في معرفة وضعها بشكل صحيح ضمن تركيبة حيوية تنعش من يعيش في المجتمع. فأولى علامات الإرادة الطيبة هي السعي الدائم إلى البناء لا في محاكاة الآخرين (والغرب خاصة) بـ”ببغائية عمياء” وإنما التصرف بحكمة. يقول المسيح: “كل كاتب تتلمذ لملكوت السماوات يشبه رب بيت يخرج من كنزه كل جديد وقديم” (مت 13/52). هكذا فالحكمة الحقيقية هي التي تعرف كيف “تغربل” كلا من القديم والحديث لترفد بهما أجيال المستقبل. إنه تحد كبير في الابتعاد عن الترقيع!

[1] Hans Jonas, Une éthique pour la nature, (trad. S. Courtine-Denamy), Flammarion, coll., 2017, p. 37.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*