الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / التناقض والتقليد الأعمى (افتتاحية العدد 487-488)

التناقض والتقليد الأعمى (افتتاحية العدد 487-488)

افتتاحية العدد 487-488رئيس التحرير
قد يحدث أن ننتقد شخصًا على تصرف ما، ونقوم بذلك التصرف، فنرتكب ما ننتقده لدى الآخر! “من يمكنه أن يضعنا على طريق الصواب؟ ومن يجسر أن يقول لنا ما لا يستطيع أحد على قوله؟ إنه الصديق”. هذا ما قاله القديس اوغسطينوس (354-430م) فميّز نوعين من الحقائق: التي يعجبنا سماعها والتي لا يعجبنا. لذا سعيد من لديه صديق حقيقي يصارحه على تصرفات منحرفة ليضعه في طريق الصواب. في هذه الافتتاحية سأقول لقرائنا حقائق قد تكون مؤلمة، لكنني أعرضها عليهم من باب الصداقة!
هناك أشياء قد تبدو بديهية، لأننا طوال حياتنا نكرّرها، لكن أحيانًا يأتي الشك فنطرح على أنفسنا أسئلة مثل: “هل اتخذنا القرارات الصحيحة التي كان يجب علينا اتخاذها، يوم زواجنا أو دخولنا الحياة العملية أو الرهبانية أو غيرها؟”، وغالبًا ما ننظر في مرآة ذواتنا لنتأكد، وهذا ما يسمّى في الفلسفة “الاستبطان” Introspection. لكن سرعان ما نلمس بأن العودة إلى داخلنا أمر صعب جدًا بل مستحيل على الغالبية غير المتدرّبة، إلا إذا كان لدينا صديق يساعدنا في ذلك، وهو من نعتبره تمامًا مثل “الأنا” الآخر في أنفسنا. وقد تطرّق أرسطو (384-322 ق.م) إلى هذا الأمر في كتبه “الأخلاق الكبرى”، والسلوك ، وكذلك الفيلسوف أبيقور Epicure (341-270 ق.م) الذي أطلق هذه الحكمة: “بين كل ما تعطينا الحياة من لذّة، الصداقة هي أعظم لذة في الحياة، فهي بحث عن السعادة”، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن صديقي هو فقط مجرد انعكاس للأنا عندي.
لنأخذ مثلا بسيطاً: أحسن الصداقات وأقواها وأكثرها ديمومة ليست تلك التي يشبهنا فيها صديقنا، إنما عندما يختلف عنا، فإن كانت “الطيور على أشكالها تقع” – كما يقول العرب – فذلك لأنها طيور، وليست عاقلة. وقد كتب إتيين دي لابو يسي Boetie (1530-1563) كتابًا صغيرًا عنوانه “العبودية الطوعية” جاء فيه: “في كل صداقة يوجد اختلاف، فالصديق ليس نسخة مني، إنما هو آخر مختلف عني، وهو الذي يكشف لي أنّه حتى بيني وبين نفسي يوجد اختلاف، بالضبط كالاختلاف الموجود بيني وبين الآخر”! هذا التناقض مهمّ جدًا، وهو يحتاج إلى وقفة تأمل.

جدلية التناقض
يؤمن الكثيرون بأن “الناس أجناس”، هناك الأسياد وهناك من هم أقل، هذه الطبقيّة لدى الكثيرين تبدو أمرًا عاديًا وطبيعيًا والكل يقضي حياته ليصعد ويتربّع على الرفّ الأعلى، ليقول لأقرانه: “أنا عملت نفسي بذراعي!”. في كل مجتمع وجدت الطبقية: سيد آمر ناهي وخادم “عبد مأمور”، الأوّل يحب السلطة ويحكم الثاني الذي يطيعه، والكل يتفق أن هذه الأمور كانت هكذا منذ أبينا آدم، ثم جاءت الثورات جاءت لتقلب الموائد على أصحابها، فيعزّ الذليل ويذلّ العزيز، وتنتشر الأوهام وتصبح مزمنة والكل يبلع بلا نقاش! حتى جاء الفيلسوف الألماني هيغل Hegel (1770-1831) فقال: “يحدث دائمًا انقلاب جدلي، يصير السيد خادمًا والخادم سيدًا!” (ظاهراتية الفكر). قد تبدو هذه الفكرة غريبة وثورية في آن واحد. ففي كل شيء يوجد حركة، والتناقض في أصل كل شيء، ونحن نعبر من تناقض إلى آخر، ننطلق من معروض نحو معروض آخر مناقض له، وفي الأخير يحدث التوازن ليصبح الناتج إيجابيًا، كبرعم الشجرة يتحوّل إلى زهرة ثم يصبح ثمرة. كل حالة إذن يتم تجاوزها تعبر إلى حالة أخرى، حتى تصل إلى نتيجة نهائية تشكل مجموع كل الحالات السابقة.
لفهم هذه الجدلية ننطلق من خصمين يتصارعان: الأوّل يمتاز بالشجاعة، لأنه مستعدّ أن يعرّض حياته للموت في المعركة، ويظهر كرجل حرّ، لأنه يريد الحريّة بأيّ ثمن، أما خصمه فيفضّل الحياة على الحرية، فيتراجع ويخضع، بل يخنع لكل من يسيطر عليه. هذا الثاني يستسلم للأول المنتصر، ويقبل بكل شروطه. لكن المنتصر عادة لا يقتل الخاسر، إنما يحتفظ به كعلامة على انتصاره وسيطرته، بل سيذله ليذكره بانتصاراته وسطوته. فيصبح الشخص الثاني خادمًا خاضعًا للمنتصر، وهذا سيجبره على العمل في خدمته، في حين سيقضي الأول وقته بحياة سهلة رغيدة مرفهة. الخادم وحده سيعمل ويتعلم ويتقدّم في المعرفة، في حين سيقف السيد في مكانه لأنه يتمتع بالحياة فقط ويحرم نفسه من ثمار عمل خادمه وخبرته، وهنا يحدث الانقلاب الجدلي: ويتحقق التناقض في هذه الحالة، فالتناقض يعمل بشكل خفي، بحيث لا يعود السيد قادرًا أن يستغني عن خادمه، ليصبح هو تابعًا لخادمه ويصير الخادم سيدًا نوعًا ما!
هكذا يستعيد الخادم الذليل شكلا جديدًا من الحرية، يتعلمها بالعمل والسيطرة على الطبيعة وإتقان مهنة ما، في حين ينفصل سيّده عن العالم، ولن يعود قادرًا أن يستغني عن خادمه، وبالتالي يصبح سجينًا لما يعرفه الخادم. عمل الخدمة يعيد للخادم حريته، وبذلك سيعلم سيّده معنى الحرية والسيطرة على الذات. هذه الجدلية تبيّن أنّه لا يوجد شيءٌ ثابت ولا حالة مستقرة، بل الكل يتغير ويتبدّل، علينا أن نعي تغير العالم المستمر وبه نفهم مجتمعنا والمطبات التي يدخلها الناس من الروضة وحتى البرلمان.

الدعاية والأوهام
في هذا الصيف كنت أزور للمرة الأولى منطقة تجارية مهمّة في باريس “لا ديفانص” La Défense لم أرَ فيها سوى العرب محملين بأكياس ثقيلة مما تسوّقوه من أثمن المنتجات وأغلاها، فلمستُ أنهم أكثر شعوب العالم ضحية للدعاية والإعلان. ولا حاجة أن يكون المرء فيلسوفًا كي يفهم لماذا شركات الدعاية هي الأغنى في العالم، وكل عاقل يعرف أنهم بالدعاية يسخرون من الناس، ويستغلون التصديق لدينا. ولفهم ذلك قام الفيلسوف الفرنسي رنيه جيرار (Girard) بتحليل الدعاية كلعبة على وتر رغبة التماثل بيننا، فنحن دائمًا نقلد الآخر. وفينا رغبة بالامتثال Mimesis كانت هذه نظرية وضعها منذ عام 1961 في كتاب “الكذب الرومانسي والحقيقة المنطقية”، حيث قال: “لا يعرف الإنسان ما يريد ولا يرغب بشيءٍ ما لذاته، إنما يرغب دائمًا برغبة الآخر”. لا يريد مثلا أن يقتني ثوبًا، إنما رأى في المدرسة من يلبس ذلك الثوب فيقول في سره: “أريد أن أكون مثله”. ما يعني عندما أرغب بشيء ما، أرغب أن أكون مثل مالك هذا الشيء، فأتشبه به. لهذا نرى دائمًا عارضي الأزياء يتبخترون أمامنا طوال النهار، نريد أن نكون مثلهم، لأنهم يوقظون فينا رغبة التشبه بهم. وهنا جيرار يختلف عن سيجموند فرويد (1856-1939) الذي شدّد على اللاوعي، في حين يقول جيرار: الآخر يثير عندي رغبة بالمحاكاة أي التقليد الأعمى: هناك ثلاثة: أنا والثوب وذلك الآخر (فاعل ومفعول به ومختلف)، الفاعل يصبح سلاحًا نموذجيًا أقتدي به والرغبة عندي حمّالة للوهم. الجديد لدى جيرار أن الرغبة ليست رغبة بالشيء إنما بتقليد أعمى للآخر لأصبح مثله وهنا العبودية.
هل نريد أن نصل إلى ما وصل إليه الغرب بالتسوّق فقط وتقليد ما يأكل ويلبس؟ رأيت في عز الصيف يبيعون ملابس فقدت موديلها، ما عادوا هم يلبسونها، نشتريها نحن فقط، فتعجبتُ عندما رأيتُ أسعارها الخيّالية، أصبحت التقليعة ملابس مشققة، فصرنا نشتري لا بضاعة جيّدة منهم إنما دعاياتهم لمجرد كتب عليها: “شوهد في التلفاز”!
يقول يسوع لكسيح شفاه: “قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك” (متى 9/1-6). هل حمل فراشه إلى بيته ليبقى يذكره بعوقه، وبنعمة المشي الجديدة؟ أم العودة إلى البيت تعني الإنطلاق الجديد، فلا يعود الفراش علامة عجز، بل راحة واستردادًا للطاقة؟ أعتقد أن الفراش هنا هو الكلام الذي أصبح لدينا مثل فراش الشلل، كم نحن ندور فيه بلا معنى: كلام دعاية أو مجاملات فارغة لا كلام صداقة حقيقية قادرة أن تشفينا. في حين الكلام فيه جذورنا، ذكرياتنا، قناعاتنا الصادقة الحرّة لا المشلولة، كلام شكر على نعمة، لم نعد نراها فأصبحنا عبيدًا للماضي ولكل ما يجرنا لتحت، كلام قديم فراش عجز وكآبة، ليبق هناك، أما نحن فلننطلق ولنخرج إلى الهواء الطلق فنصير أحرارًا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*