الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / السلام والحرب ودور الأديان، إفتتاحية العدد 531-532

السلام والحرب ودور الأديان، إفتتاحية العدد 531-532

السلام والحرب ودور الأديان، إفتتاحية العدد 531-532

نائب رئيس التحرير، الأب د. هاني بيوس

كتب الفيلسوف الفرنسي كلود-ليفي شتراوس في كتابه “جنس وتاريخ” هذه العبارات: “ففي حالنا رفض صفة الإنسانية على الذين يظهرون الأكثر “همجية” أو “البرابرة” من غيرهم، فإننا، في الحقيقة، نستعير منهم أبرز سلوك لديهم. إن البربري إنسان يؤمن بالبربرية”. ما يحاول شتراوس التعبير عنه هو أن كل جماعة بشرية رأت في تعددية الثقافات من منظور سلبي دائما لا كظاهرة طبيعية ضمن بنية المجتمع البشري في تنوعه. لا بل عدت التعددية بشاعة. إذ لدينا إشمئزاز من “العيش سوية”، أو حتى بمجرد التفكير في كون الآخرين غرباء. هكذا الحال في العصور القديمة، فكل جماعة أو شعب لم يشارك الثقافة اليونانية (من ثم الرومانية) رؤيتها للعالم، كانت توصف بالـ “بربرية” لتشن الحرب عليها. فالحرب كانت وسيلة طمس هوية الآخر المختلف في ثقافته وأسلوب عيشه.

“إذا أردت السلام، أعدّ للحرب!”

يقول مثل لاتيني قديم: “إذا أردت السلام، فأعدّ للحرب!” (si vis pacem, para bellum). يطرح هذا المثل العلاقة بين الحرب-العنف والسلام، إذ كانت ومازالت تسكن فكر الكثير من القائمين على السياسة ومنظري فكرة “الجيش الحامي” لسلام المجتمع، أو حتى لدى مدافعي نزعة اللاعنف.

هل يمكن للحرب أن تعد السبيل حقا للسلام، أو هل يمكن للسلام أن يكون تتويجًا للحرب؟ يعرّف المفكر الألماني كلاوزفيتز (Clausewitz 1780-1831)، الحرب على أنها “فعل عنف يرمي إلى إجبار الخصم على تنفيذ إرادتك. وهذا يعني أن العودة إلى السلام تحدث عندما يعترف أحد المتحاربين بهزيمته، وأنه يقبل السلام الذي فرض عليه. هنا تأتي الكراهية كرد فعل طبيعي عندما يكون الشخص مغلوبًا. فالحرب هي مسألة شغف وتعصب، يمكن أن تولد فائضا من العنف وروح الإنتقام. بل هي أيضا فعل عقل ومشروع للذكاء، ودور هذين العاملين هو الحد من العنف”. لذلك، وفقا لكلاوزفيتز، هناك أمران يقودان “العدو” إلى السلام: إحتمال النصر والثمن المفرط الذي يجب دفعه. إن حافظ العقل على اليد العليا وعلى العاطفة وابتعد عن العنف العشوائي، يمكن للحرب أن تؤدي إلى السلام.

لكن إذا تمسكنا بتعريف مجتمعي للسلام يمكن القول: من الناحية الإجتماعية، يشير السلام إلى فهم ودي مشترك لجميع أفراد المجتمع. فلا يعني السلام غياب النزاع، بل هو قرار متأنّ وقياسي بشكل منتظم لأي صعوبة تتفق مع الحياة في المجتمع، وذلك أساسا من خلال الحوار. وفي هذه الحالة يبدو أن الحرب، التي توصل العنف والعواطف إلى ذروتها، مستبعدة من المبادرات المحتملة التي يتعين إتخاذها لتحقيق السلام؛ فإن الحرب هي حصيلة الإختلافات في المصالح والتعبير عن توازن القوى المختلفة التي، عندما تدخل في الصراع، تتحول عموما إلى حروب تفرض إرادة “الأقوى” على الأضعف. هذا هو الجواب النظري جدًا، ويمثل قراءة نظرية لأفكار كلاوزفيتز التي هي بالأساس نظرية جدًا.

تحدث الحرب عندما يكون من المستحيل تطبيق وسيلة أخرى للحصول على ما تريده الدول. وبهذا المعنى، إنها تسمح للأقوى فرض مطالبه. ولكن القول بأن السلام هو نتيجة الصراع المسلح، يبقى احتمالا عبثيًا: فهذا الصراع لا يعمل إلا على إحياء وسائل للحصول على ما نريد، وبضمنها الحصول على السلام! ينطوي حل “تضارب المصالح”، الذي تحول إلى حرب بالضرورة، على إعادة فتح المفاوضات؛ فإن حروب نهاية الاستعمار هي أمثلة واضحة لهكذا حلول. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحروب، إذا ما سمحت للأقوى بفرض إرادته، فإن سخط الشعوب المغلوبة الذي يولد سلاما ظالما، كان في كثير من الأحيان عاملا في استمرار الكفاح المسلح.

هكذا فالحرب هي إختبار أخلاقي هائل في كل المجتمعات كونها تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية وعلى المستوى العالمي. فلا تكتفي الحرب بهدم الأخلاق فحسب بل تفسدها وتسخر منها عندما تضمّها إلى جانبها. فتتحول الحرب إلى “فن” النصر بكل الوسائل. وهذا ما يطلق ليفيناس عليه بـ “السياسة”، إنه مفهوم يفرض نفسه أداة تبرّر العنف المُمَنهج المنطقي في نظر سلطة العقل. فيضيف ليفيناس: “إن السياسة تعارض الأخلاق كما الفلسفة تعارض السذاجة”. فالحرب ترسي نظامًا جديدًا لا أحد يمكنه الإفلات منه أو الإبتعاد عنه. هكذا ليس هناك خارجانية في الحرب، فالجميع يجد نفسه مأخوذا فيها. فصانع الأسلحة، وضحيته، “الآخر”، كلاهما يتحطمان لأن تحطم الآخر يحطم الأنا الذي يختنق في أنانية ذوبانه في منظومة الحرب-العنف التي هي أرفع من الأنا ليتحول إلى أداة لقتل ذاته.

لا تجلب الحرب السلام ولكنها تسمح باستئناف حوار بالقوة كان مستحيلا. هكذا فالحرب والسياسة مرتبطتان طول العصور. فالحوار-الدبلوماسية، وإن كان يؤدي إلى السلام من خلال التنازلات (التي يمليها الأقوى)، فهو لا يضمن بأي شكل من الأشكال “تفاهمًا وديًا بين جميع الأفراد” لأن بعضهم سيكونون ضحايا للظلم ميكانيكيا، وعليهم العيش مع مشاعر عاطفية وضغينة وثأر.

إذا كانت الحرب موجودة بالفعل، لا شيء يجبرنا على التدخل بالقوة، حتى لو فرضت علينا هذه الحرب! وهكذا، كان غاندي قد نصح البريطانيين بأن يقاوموا العنف من خلال قوة قناعاتهم الأيديولوجية… لكن هذا المثال بعيد جدا في الواقع. لا يعني حل الصراعات دائما العودة إلى السلام. وهناك أمثلة كثيرة في القرن الماضي: عمليات الثأر في 1914 ضد الألمان وقيام هتلر كردة فعل ثأر للشعب الألماني الذي أهين بعد هدنة الحرب العالمية الأولى. فالسلام المفروض من قبل الأقوى عادة لا يلائم الجميع.

لكن ما السلام الحقيقي ومن أين يأتي

يبقى السلام “حاضرا-غائبا” كونه السبيل الوحيد لدرء سمّ عنف التناحر البشري لكنه يبقى من عالم آخر: ملكوت الله. فليس السلام، كما قال ليفيناس مرة، “غيابًا للحرب”. فلا يمكن إرساء أسس سلام سوى داخل ديناميكية رجوع إلى الأخلاقي من خلال إرجاع الدين إلى ساحة الفكر كون هذا الأخير هو “مسند” الأخلاق. فالدين يرى في الآخر “مقدسًا” أي محرمًا مسّه. فتسليم مصير الإنسان إلى عقلانية تنادي بالإنسان لكنها تقصي، في الوقت عينه، مكانة الدين أو تلغيها يعني قبول عنف الأيديولوجيات الذي سيبرّر حتمًا الحروب.

فالسلام يُسائل الدين عن دوره الأساس: السهر على استمرارية العلاقات الأخلاقية بين أبناء المجتمع الواحد أولا ومن ثم التحاور بغية بناء عالم مبني على العدالة والتآخي بين البشر. كون السلام من عالم آخر يتعامل الدين معه، فالدين يتعامل مع داخل الإنسان. السلام مرتبط إذن بروحانية الدين التي تحاول ربط الإنسان بمصير السماء. إن المسألة تتعلق بكيفية تعامل الإنسان مع باطنه الشخصي. وهذا يعكس طبيعته.

هناك قصة قديمة تتحدث عن مسألة ثنائية العنف-السلام التي تسكن كل إنسان، وعن مسؤوليته. إنها قصة فتاة صغيرة شعرت بالإضطراب بسبب حلم متكرر يتقاتل فيه ذئبان بشراسة. عندما سردت الحلم لجدها، وهو شيخ قروي مشهور بحكمته، قال لها إن هناك ذئبين داخل كل إنسان، الأول مسالم والآخر عدواني. ثم سألت جدها أي واحد منهما يفوز. رد جدها: “أي واحد منهما تغذين أكثر، فذاك الذي ينتصر!“.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*