الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / الشخص غير المناسب في المكان المناسب (افتتاحية العدد 503-504)

الشخص غير المناسب في المكان المناسب (افتتاحية العدد 503-504)

افتتاحية العدد 503-504نائب رئيس التحرير
الفساد الاداري قديم قدم التاريخ وحاضر في كل الحضارات والثقافات والأزمنة وفي مختلف الشعوب. فكَتَب الامبراطور والفيلسوف الرواقي الروماني ماركوس أورليوس (121-180م) “أعطي إسم الطاعون لكل ما يُفسد العقل، وفتكه أعظم من عدوى انتشرت في الهواء الذي يحيط بنا” (عن كتابه:التأملات).
إن “الفساد الاداري”، في العراق ، هو أحد تداعيات تعاقب الأنظمة السياسية الأكثر فتكًا لنفسية العراقي في القرن العشرين. من يستطيع أن يزعم أنه لم يدخل يومًا معمعة “الاوراق” في دائرة حكومية: هوية أحوال المدنية، شهادة الجنسية أو الجواز، نزاعات التركة، قضايا التقاعد…؟! إذ لا تكاد دائرة حكومية تخلو من هذا الفساد المتفشي لدى أبسط موظف فيها. فلشلل البلد أسباب كثيرة والفساد أهمها. والشلل لا يعني هنا أن البلد لا يسير كما لو قلنا “الشخص مشلول” أي عاجز عن الحركة، لكن البلد يتحرك بشكل لا طبيعي، كالمثل الغربي القائل: “يمشي على رأسه بدلا من أن يمشي على رجليه!”. هكذا، فالمؤسساتية لا تسير وفق منطق واضح وطبيعي.
للفساد ميكانيكية تستند بالدرجة الأولى إلى “قتل روح” المواطن من خلال أساليب قديمة قدم الزمن: إقصاء الكفاءات عن شغل مكانها في المرافئ الإدارية والعلمية واستبدالها بمحاصصة عائلية، إثنية ومن ثم عرقلة ادارية مقصودة. فتليها منطقيًا إزدواجية إدارية في تقديم المعاملات بأسلوب مواز (معقب، مسهل الامور، أبو فلان…). فيبقى المواطن سجين حلقة مفرغة هدامة حتى لمفهوم “الإدارة”. فالغاية من هذه البيروقراطية العوجاء إبقاء المواطن في “أنصاف الحلول” كي لا يفكر أبعد من ما يرى. فلا يعد ينشغل إلا بـ “حاجاته الفطرية”؛ في البحث عن ما يأكله ويشربه ويعاني الأمرّين في حصوله على الكهرباء والوقود وغيرهما. هكذا يُبقي الفساد الإداري المواطن تحت وطأة متاهات إدارية. يفقد عندئذ التفكير في حرية فكره.
ليسير البلد على الأقل، لا بد من ميكانيكية تُبقي الواجهة بيضاء “أمام أنظار” دول العالم مع أن الفساد يبقى محركًا أساسيًا فيه. فليس المواطن مُهمًا بالنسبة إلى حكومته لأنها تميل فقط، إلى إظهار صورة “وهمية لبلد” أمام المجتمع الدولي! فخوف الحكومة ليس من الشعب لكنه خجل من العالم الخارجي. وهذا المنطق هو عكس ما هو موجود في الحكومات العالمية، إذ تأخذ الحكومات، بالدرجة الأولى، بالحسبان شعوبها لا خجلها من المجتمع الدولي!
يعلّم التاريخ القديم والحديث أن الثورات والانقلابات لم تكن عقيمة إلى الدرجة المأساوية التي بلغها العراق. فكل شعوب العالم تقريًبا، اختبرت الثورات. وغالبيتها كانت ثورات موجهة ضد فساد أنظمتها الحاكمة. لقد كُتب للكثير من تلك الثورات نجاح لسبب أن الثائرين كانوا “مُصلحين”، لم ينتفضوا ببساطة لأنهم أرادوا أن يقلبوا الحكم، لكن سعيًا منهم إلى “تحسين ظروف مواطنيهم”. فجمعتهم إرادة شعبية موحدة، ليضع الشعب يده بيد مُصلحيه وعلى “الجبهة” والوتيرة نفسهما. لم يكن هناك ازدواجية سلوكية وشك في نوايا الجميع أو شرذمة فكرية. لم يكن هناك جبهات عدة ولا “عمل خلف الكواليس” ولا طبخات سرّية”. كان هناك ما يوحد الكل: جعل أوطانهم أكثر إنسانية. فمع مرور الزمن تشيخ الأنظمة وتحتاج إلى إعادة نظر (أنظر مقالنا في الافتتاحية السابقة) في ملاءمتها مع متطلبات الأجيال الجديدة من مواطنيه.
كيفية محاربة الفساد؟
والسؤال هنا صعب. هل الحل يكمن في تعيين مسؤول جديد للإشراف على الآخرين، ومن المرجح أن يخلق هذا أرضية جديدة للفساد؟ أم إنشاء نظام مراقبة كالسلطة العامة مثل الصحف، قد تظهر إيجابية إلا أن استقلال الصحافة لم يبق مرهونًا ضمن شفافية البلد، لأنه يخضع للقواعد الاقتصادية، وبالتالي فإن تأثير وسائل الاعلام كسلاح معلوماتي يمكن أن يصبح شاقًا، إذ قد يميل المفسدون الى اطلاق حملة خصيصا للقضاء على أولئك الذين هم المسؤولون عن رصدهم اعلاميًا.
تتطلب مكافحة الفساد اقصاء هذه الحلول التي تعتمد نظام مراقبة أشخاص عن طريق آخرين. فبدلا من ذلك، تصبح الاستعانة بمنطق القانون أي بمراجعة لبنية المجتمع حلا شاملا وفاعلا. وهي تعني قراءة جديدة للدستور تعتمد رأي الشعب كله، لأن الفساد يهاجم “الصالح العام”. كتب ألكسي توكفيل Tocqueville(1805-1858)، فيلسوف الاجتماع الفرنسي يقول: “لا يظهر ما يُفسد مجتمعًا ما في فساد عدد كبير من الأشخاص فيه، لكن في انحلال إرادة الشعب كله”. (عن كتابه: “الديمقراطية في أمريكا”).
هكذا فتأكيد على الارادة في المصالحة والإصلاح لدى الجميع يساعد في محاربة الفساد. فعلى الجميع محاربة منطق “تمشية الأمور”، والاهتمام فقط بالعالم الصغير ومحيط الأسرة. بل توجيه الافراد نحو انتماء للوطن. وهذا يعني قبول الجميع أن يضعوا على طاولة البناء كل “ما في جعبتهم”، من إرادة ورغبة للعيش المشترك.
يقول المثل: “لكل داء دواء”. وهذا ينطبق على الفساد أيضًا، شريطة أن يعمل الجميع سوية.
لقد حرصت الكنيسة في مناسبات عدة على شجب الفساد الذي “يحرم الشعوب من الصالح العام كحق شرعي أساسي في: احترام القواعد، وحسن سير المؤسسات الاقتصادية والسياسية وشفافيتها. فشرعية الصالح العام أصيلة، أي تتمتع ببعد عالمي” (المجلس الحبري: العدل والسلام، محاربة الفساد، 2-3/6/2006 §5). هكذا فالمسيحيون بكنائسهم المحلية معنيون بشكل كبير في تشكيل الضمير المدني وفي توعية المواطنين على ديمقراطية حقيقية تعتمد الوقوف بوجه الفساد وتعزيز حياة عامة يحكمها القانون.
فعلى القانون في بلد ما أن يعتمد المساواة ضمن تنوع الخبرات وتقييمها حسب درجاتها وفاعليتها. فالافراد يتسابقون في بناء بلدهم ولا يتنافسون لأنهم يبحرون في المركب نفسه. فالرجوع إلى أساسيات الاستحقاق العلمي؛ الشهادات، الخبرات، المهارات؛ ومساعدة المواطنين في هضم التطور التقني بروية، من شأنه أن يبني شخصية مواطن واع ويعيد “الشخص المناسب إلى المكان المناسب”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*