الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / الفكر المسيحي في يوبيلها الذهبي (افتتاحية العدد 491-492)

الفكر المسيحي في يوبيلها الذهبي (افتتاحية العدد 491-492)

افتتاحية العدد 491-492رئيس التحرير
عندما صدر العدد 300 من المجلة عام 1994، عبّر الأب بيوس عفاص، رئيس التحرير آنذاك، في افتتاحيته، عن أمنية: “عقبال العدد 1000! ونكون للحال على موعد مع العام 2064!! ومن يدري؟ فقد يكون من القائمين اليوم – وهم في عمر الزهور – مَن سيعاينون مجلتهم في عامها المئة!”.
وعندما إنتقلت المجلة إلى بغداد في عام 1995، تساءل الأب يوسف توما، رئيس التحرير، في افتتاحيته:”ماذا ينتظر القراء منا؟ هل ينتظرون فقط أن نبقى أمينين لهذه المسيرة الطويلة الفريدة من نوعها في العراق؟ (…) المسألة هي انحياز نحو الأمل”.
تكمن المواصلة والأمل في متابعة المسيرة في الجهد والدقة والإمعان كي تبقى مجلة الفكر المسيحي تواكب قراءها دائمًا، لكنها تصبو أيضًا إلى إعطاء الغذاء الروحي لكل من يطرق أبوابها. في هذا العدد نكون قد أكملنا نصف قرن، وهذا في حد ذاته إنجاز، فقد قطعت المجلة شوطًا حثيثًا لا يستهان به، ولسنا نصبو إلى إثارة مشاعر معيّنة، بل نشيد بالجهود المضنية والصبر الطويل والعزم في المحافظة على نهجها الاعلامي والإيماني. وأن تستمر وتتألق وتبذل الجهود وتعطي لتكمل طريق المئة سنة. هكذا سيصبح “الإنحياز إلى الأمل”، تحقيقًا لرغبة جميع العاملين في المجلة وقرائها في إذكاء الإيمان وترجمة الآمال إلى حقيقة وواقع معاش ومكتوب.
تصدّر غلاف المجلة، قبل عشرين عامًا، لدى تسلم الآباء الدومنيكان لها (العدد 301-302، ك2، 1995) صورة ساعتين، الأولى نصبت في الموصل عام 1880، والثانية ساعة بغداد (التي أنشئت عام 1994). إرتبط وجودهما بتنظيم إيقاع الحياة والعمل. هكذا كانت مسيرة المجلة، منذ تأسيسها على يد كهنة يسوع الملك في الموصل، عام 1964، موسومة أيضًا بحضور تلك الساعة، إذ رافقت بإيقاعها الكنيسة مدة ثلاثين عامًا وواكبت أزمات ومتغيرات البلد والعالم. فغطت الأحداث المهمة مثل المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965)، وسلطت الأضواء على خطابات ورحلات البابوات: بولس السادس، يوحنا بولس الأول، يوحنا بولس الثاني، بنديكتس السادس عشر وفرنسيس. كما تابعت باهتمام كل ما يخص العلاقات والحوارات المسكونية بين الكنائس، منذ لقاء المحبة بين البطريرك أثيناغوراس الأول والبابا بولس السادس عام 1964، الذي سيحتفل بذكراه البابا فرنسيس هذه السنة في القدس.
مع مرور السنين، أصبحت لقارئ المجلة أدوات تساعده في فهم اللاهوت والفلسفة والتاريخ، إذ بدأ يقرأ ويحلل الأحداث ويميّز علامات حضور الله في العالم، فأعطي بامتياز مَلكة تعتمد على المعرفة والمقارنة والصياغة العلمية في ضوء المتغيرات التي عصفت بالشرق الأوسط ودور المسيحيين فيه. لقد حرصت المجلة في مواقفها تجنب الوقوع في الانفعالات التي غالبًا ما جرفت الناس يمينا وشمالا فوقفت على مسافة واحدة من الأطراف والمواقف جميعها، فركزت على الفكر والعلوم الإنسانية لترسّخ قبول الآخر في نظرة حكيمة تعد للمستقبل.
وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي، قامت المجلة بسبب الحصار الذي فرض على بلدنا، بإصدار خمسة أعداد في السنة بدلا من عشرة. بيد أن تعويض النقص في إعدادها، جاء عبر التركيز على صفحاتها، في تنوع المواضيع وعلوّ اللغة المستخدمة. وعلى الرغم من موجات الهجرة التي حدثت بشكل مكثف بعد حرب 2003 وتناقص عدد الكتّاب وندرتهم، إلا أن الإصرار بقي على إستمرار إصدار المجلة في مواعيدها وجديّة ونوعية المطروح من المواضيع هاجس التحرير وكادره.
قد يضيع الكلام الشفهي أو يُنسى مع غبار الأعوام، إلا أن الكلام المكتوب يدعو إلى الالتزام والاستمرار. ويختلف تأثير كل كلام شفهي عن الله من منبر المواعظ عما يسطر على الصفحات المكتوبة، هذا كان سبب كتابة الانجيل لكشف وتوضيح شخصية ورسالة المسيح. فالكلام المكتوب يعطي للأجيال المتعاقبة قابلية قراءة حية للإيمان لا بتسليم عقيم؛ وإنما بتأمل يضع المستقبل في قالب زمني موسوعي يفيد الجميع. إن الكلمة المكتوبة تتوجّه دائمًا إلى كل زمان ومكان، وهي تخلق عملية تفاعل بين الكاتب والقارئ، فيثمر ذلك إعادة خلق وحياة جديدة وقيامةً. إذ يسلـّم كل كاتب كيانه إلى القارئ، وهذا يقوم بإحياء الكاتب من خلال قراءته له. هذا يحفظ الكلام الشفهي في جسد التأريخ، فيتحول إلى ذاكرة حيّة تحتضن الماضي والحاضر والمستقبل. فيتجلى الزمان ليصبح مكان تأصل الله فينا. ومن يقرأ الكلمة ويتعمق فيها ويصغي إليها، ستنزل إلى كهوفه العميقة المظلمة فيستنير بنور الآب وحكمة الكلمة الابن المتجسد واشعاع الروح القدس.
جاء استخدام تعبير “الساعاتي” فلسفيًا، في القرون الوسطى، لوصف الله كـ “محرك أوّل” لكل شيء وخالق الحياة. كما وصفت ولادة الإنسان بـ “ساعة الولادة”، واعتبرت نهاية حياته “الساعة الأخيرة”، فالإنسان يقف بين هاتين الساعتين. أما الله فهو خارج الزمن، وهذا هو الفرق بينه وبين الإنسان، الذي أعطي منذ خلقه مكانًا وحدودًا، لكنه يمتد نحو المستقبل عندما يسمي الأشياء والطبيعة ويستعمل ثرواتها ويستغلها. فالله خالق والإنسان مخلوق، مسؤوليته أن يحوّل المكان والزمان إلى فسحة وفرصة كي يعيش فيهما الجميع بخير وسلام. فهنالك مَن يذوق بواكير الملكوت، وبدوره يتقاسم الباكورة هذه مع اخوته.
ولما كانت الساعات التي يصنعها الإنسان معرضة للعطل إلا أن ساعة الزمن الحاضر لا تتعطل ولا تتوقف، إنها بالحقيقة مجرد لحظة حاضرة يصفها الفيلسوف الفرنسي فلاديمير يانكلفيتش Jankélévitch (1903-1985) “لحظة الحقيقة”، كصيرورة دائمة تمكن الفرد تحقيق كيانه وحبه ومستقبله. فلا يكمن وجود العطل، في الزمن الحاضر، بل في الإنسان، عندما يفتقر إلى الحب، وهذا يشمل الجميع.
توجد في مسيرة حياة كل مؤمن ساعتان، الأولى أفقية والثانية عمودية. تشير الساعة الأفقية إلى الزمن العادي حيث الروتين والتكرار والملل، فلا نشعر بأهميته إذ هو ثقيل تتحول اللحظة فيه إلى ساعات مضجرة ينطبق عليها قول سفر الجامعة: “فما من جديد تحت الشمس” (1/ 9). لكن يأتي الزمن العمودي الذي هو نعمة من الساعاتي (الله) وفيه نحيا أوقاتٍ مكثفة من مشاريع ولقاءات وأحداث، تشعرنا بنبض الحياة وجمالها وبأنها نعمة حقيقية في عطائها، فتصبح الساعة الواحدة وكأنها لحظة والأيام كأنها ثوانٍ، نعيشها بعمق كياننا.
ينهمك الكثيرون بالكلام والعمل في مشاريع أفقية لا تبقى، زائلة، فهي مشاريع عابرة، مثل الفراشات الطائرة التي لا تستقر على زهرة واحدة، بل تطير دائمًا من واحدة إلى أخرى. أما بخصوص المشاريع العمودية، فتأتي لتنعش حياتنا وتغيّر وتحقق أشياء كثيرة، فهي مثل الصليب، عميقة كثيفة تركز معنى الحياة على ما هو أساسي، فتبقى وتعطي الجوهر، كي تكون مشروعًا فاعلا، يشمل الجسد والروح.
والمجلة تدخل العقد السادس من عمرها، نتمنى أمنية ذهبية إلى جميع كتّاب وقراء ووكلاء ومحبي مجلة الفكر المسيحي، أن ينعموا ببركة الساعاتي والمعرفة الإنسانية والخبرة الإيمانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*