الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / المثقف الزائف، إفتتاحيّة العدد 513-514

المثقف الزائف، إفتتاحيّة العدد 513-514

Saint_Esprit_colombe_peinture

المثقف الزائف، إفتتاحيّة العدد 513-514

رئيس التحرير الأب فيليب هرمز

أثناء زيارة للرئيس الفرنسي الراحل، فرنسوا ميتران، إلى بريطانيا، طلب أن يقابل نخبة من “المفكرين” في البلد، فجاءه الجواب بأنه يستطيع مقابلة المؤرخين والفلاسفة والكتاب والباحثين، لكن للأسف لا يوجد لدينا “مفكرون”! يكشف هذا الموقف بأن السؤال عن من هو المفكر، وكيفية تمييز المثقف الحقيقي عن غيره، لازال مطروحا، في عالم يتبادل فيه ملايين البشر المعلومات بصورة فائقة السرعة.

بُني عالم الإتصالات المعاصر على أساس ديمقراطي، وهو “المعلومة من حق الجميع”، الذي توسع تدريجيا من منتصف القرن الماضي. فكانت فكرة علماء السيبرنتيك (عالم الأنترنت والكومبيوتر) أن يكون الإتصال والمعلومة والمعرفة متوفرة للكل. ونشهد اليوم تداولا كبيرا وخطوات عملاقة في هذا المجال على الصعد كافة. بيد أن المشكلة تكمن في ضياع المعلومة الحقة مما شتت فكر الإنسان، فبات لا يعرف مصدر الحقيقة ولا إلى أين تذهب. أصبح الكلام، في وسائل الإعلام، سلعة للبيع في يد الأقوى والذي يدفع أكثر أو بكل بساطة تحت سيطرة أصحاب المصالح والإتجاهات الضيقة. هكذا ظهر لنا مثقفون زائفون، يتداولون كلاما زائفا من أجل الترويج لحقيقة زائفة فيها تتحقق مصالح هؤلاء “أشباه-المفكرين”. أما المفكر الحقيقي والمثقف الجدي، فقد أصبح مهمشا ومركونا على جنب كي لا تقال الحقيقة في أوانها، ولا يكون لهم تأثير على الشعب ومحبي الكلمة الصادقة.

وليست هذه من مشاكل العراق فحسب، بل هي إحدى مشاكل العالم المعاصر، في تقنياته الجديدة والمتطورة، إذ غالبا ما يستضاف (في برامج تلفازية) المثقف الزائف للكلام على هذا الموضوع أو ذاك، وهو معروف سلفا باتجاهاته ومصالحه، وهذا يحدث لأن وسائل الإعلام والتيارات القوية داعمتها تريد ذلك، وبالتالي، تكون النتيجة تغريدا لهذه أو تلك من القوى على حساب مصالح الشعب. فيطلب من شخصية إدعائية أن يتكلم دقيقتين أو أقل حول موضوع معين، بحجة أنه خبير أو متمرس سياسيا أو ثقافيا، دون قول شيء يغذي الإنسان، كونه سطحيا ومدفوعا لدور يلعبه. وهنا نتوقف عند قضية المثقف الحقيقي وصفاته في هذا الخلط بالأوراق على الساحة الفكرية.

المثقف قبل كل شيء هو إنسان لديه علاقة وجدانية مع الثقافة، يؤمن بمبدأ أن “للفكر محبة ولذة في حد ذاته” في تناقل المعلومة والفكرة والحقيقة. فتؤثر عوامل كثيرة في كيانه وقراره: الضمير، التواضع، المبدأ، الإنسان كأولوية عالمية، قول الحقيقة مهما كانت مرّة، والفضول العلمي وقدرة التعلم من كل شيء، حتى من أصغر الكائنات في العالم.

في مسرحية “الفظ” لموليير، تحدث مشكلة للشخصية الرئيسة “السيزت”، إذ يفقد غالبية أصدقائه لأنه لا يستطيع المجاملة في المجتمع، فيقول الحقيقة على الرغم من بشاعتها للآخرين. هكذا المثقف الحقيقي يطرح أسئلة جوهرية على مجتمعه ويحاول الإجابة عنها بالعلم والثقافة والخبرة الحياتية، فهو يريد بناء الحياة أولا، من خلال بناء الإنسان خصوصا. إذ لا يستطيع تبرير الكراهية على حساب الإنسان، ولا يشجع العنف باسم إنتماء ما أو تسمية معينة، لأن هناك من يضطهد الإنسان من أجل “الوصولية” إلى السلطة والمال واللذة. تعمّ هذه التجارب الثلاث في مجتمعنا وتجعل المثقف الحقيقي يختفي لأنه غير مرغوب فيه، بينما المثقف الزائف هو المرحب به.

لقد صدر كتاب، في فرنسا عام 2015، للكاتب والصحفي باسكال بونيفاس، بعنوان “المفكرون الزائفون”، يتصدى فيه الكاتب لظاهرة تجتاح فرنسا والعالم، وهي النجاح الإعلامي لخبراء الكذب. فـ “الكذبة المصدقة” هي أحدث إختراعات وسائل الإعلام و”خبراء” الكلام المنمق، ويمر كلامهم مرور الكرام لأنه مع “الأغلبية” القوية، بينما لا أحد يجرؤ على كشف حقيقة طروحاتهم. لقد أصبح الكلام ناقلا للمعلومة المصطنعة، للجهل المعرفي واللامنطقي، وصار بدون وزن أو رائحة أو طعم. أيمكن أن لا يكون للكلام وزن؟ أليس هو عاكسا للكيان والأعماق؟ ألا يطرح الحقيقة الكامنة في كل إنسان؟ كم من مرة شاهدنا مناظرة تلفزيونية وخرجنا “غاضبين” لأن أقوال المشاركين بعيدة كل البعد عن حقيقة حدث الإنسان أينما كان، وخصوصا في العراق؟!

منذ عام 2003، أصبح شارع المتنبي في بغداد متنفس الحرية والثقافة الحقة في العاصمة (يشبِّه الشارع بعض مرتاديه بـ “أثينا بغداد”). فتبلورت فيه أمكنة للطروحات الفكرية والحوار النقدي العقلاني، فضاءات للشعر والفن والقراءة. لقد أستهدف هذا الشارع، مرات عدة ، لأنه مكان الحقيقة والثقافة غير الزائفة، بيد أنه بقي مكانا “عنيدا” من أجل الإنسان وما يحمله من إبداع. على أرصفته يتقاسم المثقف مع الآخرين غنى الشركة والتعاضد وحب الحياة. سمعتُ، في مقابلة مذياعية، أن أحد فناني العراق، مصطفى زاير، الذي كان بعيدا عن الوطن، لحظة تفجير شارع المتنبي، ألـّف قطعة موسيقية خاصة إسمها “شارع المتنبي” تخليدا للرموز البغدادية ضمن مشروعه الفني “عشق بغدادي”. هكذا يتفاعل الإنسان مع الحدث، فيبدع في عمله وكلامه وفنه (إختارت اليونسكو، هذا العام، بغداد، مدينة للإبداع الأدبي، ضمن 47 مدينة إبداعية، لما تتمتع به من تاريخ أدبي ثري ونشاطات ثقافية وفنية متواصلة).

فحذار! أن يقفز أمامكم أحد من “أشباه-المفكرين” ويقول “نحن نعلم الحقيقة”، فهم لم يقرأوا يوما كتابا ولم يُجروا بحثا حقيقيا في مجال معين، بل في أحسن الأحوال رددوا كلاما سمعوه من آخرين أو قام آخرون بتأليف الكتب والأعمال باسمهم. لأن المهنية تستلزم جهدا وبناء وتعبا، فثقافة “الجاهز” و “على الحاضر” الغالبة اليوم، تريد القضاء على “عرق الجبين” و “العصامي” لأن المقاييس إنقلبت والمعايير إختلفت والناس تبدلت. فالجمهور (الذي تعوّد على الوجبات السريعة) بات غير قادر على تمييز معدن المثقف الحقيقي عن الزائف. فانغلقت الأبواب بوجه المثقف العصامي، لأنه أمين على الحقيقة التي لديه ووفيّ لمبادئه، وانفتحت بوجه آخرين كثيرين يدّعون أنهم “مثقفون”. ليس كل من قال “أنا” في وسائل الإعلام هو “مثقف” أصيل.

إن البحث عن الحقيقة هو في أساس عمل المثقف والمفكر، فالمهم هو الإبتعاد عن إنفعالية المعاصرين ومهاتراتهم، لا كـ “نخبة” تتعالى على أناس البلد. لأن المثقف هو في خدمة الإنسان بصورة مغايرة، فهو “حكيم” زمانه، يناصر القضايا المصيرية للإنسان والشعب ويناضل من أجل وقفته هذه. إنتشرت في زماننا المتاجرة بـ “الكراهية” الثقافية والسياسية في المجتمع ونبذ الآخر. فانقسم العالم إلى نصفين متنافرين. أيعقل أنه لم يعد يوجد أناس “حكماء” بيننا؟ لنتذكر أن المثقف هو الذي يدرب نفسه على التحرر من الأفكار المسمومة في محيطه، لأنها تؤدي إلى عقم العلاقات الإجتماعية. فالإنتماء الحقيقي هو للفكر ولحرية القرار المتوازن المبني على الثقافة والتحليل والخبرة.

إن ثبات المثقف الحقيقي في شوارع بغداد وفي مناطق أخرى من العالم يتطلب شجاعة ومسؤولية والتزاما من جانبه لقضاياه المبدئية. ففي مواجهة كل الأنانيات وعدم التعاضد المنتشرة اليوم في الشارع العالمي، تبرز عند المثقف لوعة التضامن وقابلية أن نكون جسدا واحدا مع الآخرين، لأنهم “نحن”.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*