الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / المطالعة أنقذت حياتي، إفتتاحية العدد 525-526

المطالعة أنقذت حياتي، إفتتاحية العدد 525-526

المطالعة أنقذت حياتي، إفتتاحية العدد 525-526

رئيس التحرير، الأب فيليب هرمز

يُباع سنويا 40 مليون نسخة من الكتاب المقدس،وبيع منذ عام 1997 وليومنا هذا 400 مليون نسخة من قصص “هاري بوتر” للكاتبة ج.ك. رولنغ، و103 مليون نسخة من كتاب “سيد الخواتم” في أجزائه الثلاثة للكاتب ج.ر.ر. تولكين. وفي فرنسا، صدرت في آذار 2017، إحصائية المركز الوطني الفرنسي للكتاب،تذكر أن 84% من الفرنسيين هم قراء يتلذذون بمطالعة الكتب وخصوصا الروايات. نصفهم يقرأ يوميا (يقرأ الفرنسي حوالي 22 كتابا في السنة بينما يقرأ المواطن العربي ربع صفحة سنويا)، وذلك لثلاثة أسباب: متعة القراءة، تعميق المعارف وانفتاح الفكر.تعني هذه الأرقام بأن العالم يقرأ على الرغم من اكتساح وسائل الإتصال العالم على حساب القراءة الورقية التي أصبحت في عزلة خانقة وكأن المطالعة لن ترجع أبدا لسابق عهدها.

سقوط في العشق

إن الخروج من العزلة يمكن تحقيقه عن طريق العلاقة مع الكلمات والكتاب، وأولى ثمارها هي الحرية. فالمطالعة تبني كاتدرائيات من الأفكار داخل الإنسان تخرجه من الخوف والتقوقع على الذات أمام الدكتاتوريات التي لا تحب الكتب ولا الإنسان الذي يغدو مجرد أرقام تتزايد أو تتناقص أمام إرادة الحكام. الحكام والدكتاتوريات تزول والكتاب يبقى لأنه الصفاء في عالم سياسي ملوث. إذ يرنو الكتاب إلى أنسنة الإنسان المتغرب والتابع إلى عقليات سائدة ويقتلعه من مصيره المحتوم في مجتمع قهري وضاغط على الأعصاب. وكأن القاريء يصبح مثل الفراشة ينتقل من زهرة لأخرى في إكتشاف فريد لرحيق العالم المتنوع، فيغدو حرا في قراره وفكره يستطيع تمييز الأحداث والأشخاص والطريق على الرغم من ضيق الآفاق وسيادة رأي الأغلبية، حتى الديمقراطيات يمكن أن تتحول إلى دكتاتوريات إن لم يكن هناك مفكرون أصحاب رأي مخالف وإيمان مختلف. القداسة تصبح هنا حكمة لا تحتكم بمصلحة معينة أو بحسابات موضوعة سلفا، بل هي الإيمان الملهم أمام تلوث العالم بالخطيئة.

رب قاريء يطرح سؤالا: “لا تحتاج الكتب إلى “الأنا” كي تبني العالم، فلماذا التعب والقراءة ومحاولة مطاردة أفكار الكاتب؟”. ويستطرد القاريء: “أنا لستُ محتاجا أن أبني العالم بمطالعاتي، لكني أبني نفسي بمقاسمة فكر الآخرين، لأن كنوز الآخرين من أفكار ومخيلة إبداعية تصبح هويتي اليومية المليئة بالكثافة والعمق والحياة”. تنبع القراءة والكتابة من الشعور بجسد العالم كجسدي الخاص والإنتماء إليه. “لا يمكن لأحد أن يكتب بدون أن يشعر بالآخرين”، هذا ما كان يردده أنطوان سانت إكسوبري، كاتب “الأمير الصغير” الذي أراد أن يعبر عن الكتابة كـ “جسد للإنسانية” تمر من خلالها كل المشاعر من قمة الفرح إلى أنين الألم.

يبدو من الوهلة الأولى بأن المطالعة تصقل الشخص وتغامر به في سفرة من الأخذ والعطاء، من النظر والإصغاء، من السؤال والجواب، من الإندهاش والتعجب. إنها معجزة قيامة الكاتب وأفكاره بعيون القاريء. يمكن إعتبار المطالعة موتا وقيامة إذ يكون الكاتب ميتا لوقت معين لحين قراءته من قبل شخص مليء بالتساؤلات ومحب للإكتشافات، وفضوله يسع كل الفضاءات العلمية والإنسانية والروحية. هكذا تحبس الكتابة الحدث في جسد الماضي لأنها تضعه في قالب لا يتغير، بيد أن قراءة الكتاب، من قبل شخص ما، يؤون “الحدث الماضي في جسد الكتابة” ويجعله حاضرا، مضارعا ومستقبلا في جسد العالم.

المطالعة بين تيارين

يتجلى الصراع اليوم بين من يقرأون الماضي حرفيا وبين من يفهمونه من خلال عمل الروح القدس. إذ توجد قراءات “أصولية” في كل الحضارات والديانات لا تقبل بتغيير حرف من الكتب لأنها “مقدسة” تشرح لنا الأصل والبدايات الأولى وتضعنا مباشرة أمام “القدسي” في الماضي، فذلك الزمن كان زمن الروح القدس، أما الزمن الحاضر فقد غاب عنه الروح بسبب الشر والخطيئة. ترسخ هذه القراءات إنفصالا بين الماضي والحاضر، وبأن القراءة “المقدسة” في وقتنا الحالي هي عودة دائمية للماضي. يشير عصرنا إلى أن التيارات “التعصبية” ترفض الآخر وقراءته المتجددة لحدث الحياة والكون والقدسي بتفاصيل عديدة. حتى أنها ترفض الآخرين على أساس أنهم مختلفون، لا أكثر ولا أقل. من هذا الصراع الموجود في العالم بين كتلتين مختلفتين، يمكن أن نطرح السؤال الملح في عالم مضطرب: “ماذا نعطي من تعليم وقراءات لأطفالنا في المدارس؟”.

قـُل لي ماذا تقرأ، أقول لك مَن أنت. نحن نزرع مشاعرا ومعارفا من التعليم الأحادي النظر لأطفالنا. فليس التعصب وليد اليوم، بل هو ثمرة تربية مجتمعية بأكملها. هذا الإختلاف النوعي بين الأطفال الطبيعيين والأطفال في طريق التعصب يشكل إنفصاما في جسد العالم. مع هذا، لم يعد التعصب والتطرف بسبب القراءات المغلقة حكرا على العالم الشرقي، بل بدأ يظهر منذ سنوات في العالم الغربي، وهنا المأساة لأننا نعود إلى ما يشابه بدايات القرن العشرين، حين كان التعصب على أشده وأدى بالعالم إلى حربين عالميتين سحقتا الملايين. نحن بحاجة اليوم، إلى الحكمة والقراءة المتأنية والمنفتحة التي تؤنسن المشاعر وتجعل الغريب قريبا منا في كل لحظة، وليس الشخص المعادي الذي يريد إزالتنا من الوجود.

ليس التيار الثاني، تيار الروح، حكرا على ديانة أو معتقد أو حضارة معينة. إنه تيار إنساني يربط ما بين الإنسان والله والعالم بأسلوب قراءة مقدسة متجددة في عالمنا التقني والحاسوبي والمعولم. إنه يرغب في الربط بين الصيني والأمريكي، بين السويدي والجنوب الأفريقي بدون أي شروط مسبقة، بدون أي تمييز عنصري، على أساس مهم: كرامة الإنسان. وهو يعطي المجال للحوار والتفهم والتحليل بدون إدانة مسبقة وبأدوات منهجية وفلسفية تعطي لكل شخص مكانته في العالم وقيمته في فرادته. لا يأتي هذا التيار من لا شيء، بل من جهد حثيث ومقاوم للشر وسابح عكس الأفكار النمطية الموجودة كي يفرض وجوده. إن الكسل الفكري يقود العالم إلى إدمانات وتبعيات للآخرين بدون قراءة حقيقية للأحداث ولا جهد شخصي في التحليل والتمييز.

إن أفضل ما أعطي للعالم مؤخرا هو وسائل الإتصالات الحديثة التي قربت المسافات في جسد العالم، لكنها أمست سلاحا رهيبا في قطع الإتصال بين العوائل والشعوب والدول. فلا حوار بين الأهل لأننا متابعون للتلفاز والتلفون، ولا حوار بين الأجيال، لأن الكبار يعملون والصغار منهمكون في عالم الأنترنيت، ولا حوار أخيرا بين الدول التي أمست في حالة فوضى علائقية، بل في حالة مواجهات في أماكن متعددة في العالم. غريب أن نكون في قلب عالم الإتصالات الإلكترونية ولا يكون هناك تفاهم واتصال حقيقي بين الدول.

إن قوة الفكر تأتي من الذكاء الآني أو الذكاء المتراكم عبر خبرات العالم. النوع الأول فريد من نوعه وموجود في قلة قليلة من الناس، لكن الذكاء المتراكم هو قراءة حقيقية ومتفاعلة مع جسد العالم كي يكوّن أجيالا وأطفالا يبنون ولا يهدمون، يفهمون الأمور بذكاء ولا يحفظونها لمجرد تقوية الذاكرة. الذاكرة إنتقائية، لكنها تحفظ كي تبني وتساهم في تقدم العالم. هكذا القراءة بناءة على أساس الحوار بين ذكاءين، الكاتب والمتلقي كي يفهموا العالم وأخطاءه ومن ثم يعالجون مشاكله.

القراءة أنقذت حياتي الغارقة في بحر من الأفكار المجنونة، فعزلتي مع الكتاب أرست إتصالي مع العالم بشكل منسجم وحنون ومتلاحم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*