الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / المغمورون يخلصون العالم (افتتاحية العدد 489-490)

المغمورون يخلصون العالم (افتتاحية العدد 489-490)

افتتاحية-العدد-489-490رئيس التحرير.
جاء في إنجيل مرقس (مر 5/21-43) قصة عن المرأة المنزوفة وصبية إبنة يائير، الأولى امرأة مصابة في أنوثتها، عندها نزيف منذ 12 سنة، والثانية صبية بنت 12 سنة أيضًا ماتت قبل أن تبدأ أنوثتها، كلتاهما في خطر جسيم. الصغيرة تموت قبل اكتمال أنوثتها والأخرى تفقد دمها باستمرار، وهذه مأساة ليس بدنيًا فقط وإنما تعدّ نجسة بحسب شريعة موسى (أح 15/24-25). وقد تناولت النفسانية الفرنسية المشهورة فرانسواز دولتو (1908 – 1988) بالتحليل هذه القصة في كتابها “الإنجيل تحت التحليل النفساني” فربطت بشكل بليغ بين ما هو عضوي وروحي في حياة كل امرأة:
الصغيرة (إبنة يائير) تبدو سعيدة في كنف والد هو شخصية ورئيس المجمع، لكنه يبدو قد أوقف نموّها في لا وعيه ليبقيها تابعة مدللة يتملكها فيمنعها من النمو وتحرر أنوثتنا. نفسيًا مثل هذا الأب يعتبرها عاطفيًا كما لو كانت حاجة، فبعض البالغين يعجبهم القصور ويستقرون فيه ويمنعون نمو الآخرين وتغيّرهم فلا يتحررون ولا يحرّرون بحجة حبهم المفترس بممنوعات خانقة فيها الكثير من مشاعر الذنب التي سرعان ما تتحوّل إلى عنف أو اختناق فتموت شخصيتهم. منع الولد (أو البنت) من تحقيق الرغبة بمشاعر الذنب يتحوّل إلى قلق وتصير هيمنة الأهل (والمجتمع) ساحقة فيصبح الطفل عبدًا ومتواطئًا أو متمردًا فلا يحيا في كلتا الحالين أو يكون عاجزًا عن تسلم “عبوره” إلى البلوغ. لذا احتاجت الصغيرة إلى “ثالث” من خارج العائلة وإلا ماتت لذا قال يسوع البنت “نائمة”.
أما المنزوفة فقرأ المسيح اضطرابها بسبب سيل دمها بلا فائدة، وهي تشعر أن حياتها انتهت لأنها دائمًا تستحي، أصبحت نكرة ومغلقة على نفسها تخجل منها وهي محبطة منذ 12 سنة، محنة لنفسها وللمجتمع. لكن لديها إيمان فتقول: إذا لمستُ ثوبه سأشفى، وفعلا شعرَت أنها شفيت و”شعر يسوع بقوّة خرجت منه”، فيلتفت ويقول: “من لمسني؟” فقال له الرسل: “ترى الجمهور يزاحمك من كل جهة وتقول من لمسني؟”، أما هو فيريد أن يقول: إن الرغبة ليست باللمس بل بتحقيق شيء آخر، والذين يتدافعون من حوله كثيرون لكنهم لم يطلبوا تلك القوّة إلا هي، بمجرد لمس حافة ثوب يسوع، صلاة خفيّة كانت مصدر ديناميكية فاستجيب لها، لذا أراد أن يكشفها ليقول: “إيمانك خلصك، إذهبي بسلام وكوني معافاة”، خجلها كونها سرقت قوّة تستطيع كل شيء أما هو فيقول لها: “لم تسرقي حسنًا فعلت إيمانكِ أعاد إليك أنوثتكِ”.
في خلط الإنجيل بين شفاء المرأة وقيامة الصغيرة درس ينتهي بنهاية واحدة: “لا تخف آمن فقط”، “إيمانكِ خلصكِ”، إذ دائمًا المسألة في الإيمان بالذات. الصبية ماتت عندما فقدت الرغبة بالحياة، فأعادها المسيح لنفسها، لا لتصير “مُلكًا” لأهلها لذا قال: “أعطوها لتأكل”، كي تخرج من هذا السجن، دوركم انتهى، يسوع يعطي البنت مستقبلا فيأخذها بيدها ويقيمها كي يفصلها عن أبيها وأمّها فتنطلق لتصبح زوجة لأحد آخر يحبّها. لكن، هنا، للرسل دور في كلتا القصتين، أهم من دور الوالدين إنهم شهود على المصير والرغبة. الإيمان لا يوقف حياتنا ونموّنا ولا رجولتنا ولا انوثتنا ولا داعي أن نخجل من التفتح على الحب لكن من نوع آخر. وكثير من الناس يتوقفون قبل اوانهم من إكمال حياتهم: إما في جسد طفولي أو في صورة وهمية على الذات، هناك حبال يجب أن تقطع، حبال الكآبة والعجز والخجل حتى لو دامت المأساة 12 سنة.
قبل شهر طرق سمعي خبران عن امرأتين لا علاقة بينهما، واحدة في الشرق (باكستان) وأخرى في الغرب (كندا)، الأولى صبية عمرها 12 سنة والأخرى عجوز 82 سنة. الصغيرة من شعب البشتون، اسمها ملالا يوسف زايMalala Yousafzai، عاشت حياة صعبة مثل كل فتيات وادي سوات (Swat) في شمال غرب باكستان، إذ منذ عام 2007 سيطرت جماعة طالبان على المنطقة وقامت بتدمير 150 مدرسة، وفرضت قرارًا دينيًا يمنع الفتيات من الذهاب إلى المدرسة، لكن والد ملالا، ضياء الدين ناهض الطالبان وصارع من أجل أولاده الثلاثة بتصميم وعناد، فهو مثقف وشاعر شارك في دعم شبكة مدارس للصبيان والفتيات. فأصرّت ملالا على الذهاب إلى المدرسة، وأصبحت هدفًا للطالبان فحاولوا قتلها، ولإصرارها منحتها الحكومة الباكستانية في عام 2011 جائزة، فاشتهرت في بلادها مما دفع الطالبان أن يقسموا على قتلها، فأصيبت في رأسها يوم 9/10/2012 بطلق ناري، عندما كانت في باصٍ ينقلها إلى المدرسة، كانت محاولة اغتيال لصبية عدّت غربيّة أجنبية خطرة، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الحادث وقالت إنها: “تقضي وقتها باتهامنا، وكل من ينتقد الطالبان سينال المصير نفسه”.
لكنها ملالا لم تمت، بل أثارت تلك المحاولة الشعب الباكستاني والعالم كله، فأجريت لها عملية أولى في باكستان، ثم نقلت إلى مستشفى الملكة اليزابيث في برمنكهام ببريطانيا، ومعها انتقلت عائلة ملالا كلها، وفي 12/9/2013 بعد أن شفيت ملالا تحوّلت إلى أنموذج حيّ للشباب، وتحدّثت أمام 4 آلاف منهم جمعتهم مؤسسة للأمم المتحدة وقالت لهم: “كان الطالبان يظنون أن إطلاقةً نارية يمكن أن تسكتنا، لكنهم فشلوا فمن الصمت خرجت آلاف الأصوات”. وأصدرت كتابًا بعنوان: “أنا ملالا، أناضل من أجل التربية وأقاوم الطالبان”. يوم 9/10/2013، منحها البرلمان الاوربي جائزة زاخاروف لحقوق الإنسان وعدت تكريسًا وتكليلاً لشجاعة صبيّة صغيرة قاومت أعتى الإرهابيين.
أما المرأة الثانية فهي أليس مونرو Munro، كاتبة قصص قصيرة لقبت “سيّدةَ القصّة القصيرة المعاصرة” أو “صائغ القطع الصغيرة”، مُنحت جائزة نوبل للآداب لعام 2013، وهي أوّل امرأة كندية تنال هذه الجائزة، وهي المرأة رقم 13 في التاريخ، والمرّة الاولى التي فيها يحصل كاتب قصة قصيرة على هذه الجائزة العريقة، فلم يكن هذا النوع يستحق الاهتمام قبلا. جاءت الجائزة كانتقاد مبطن لكوادر الأكاديمية السويدية، إذ شعروا أن عليهم أن يبدّلوا أسلوب منحها. فمونرو منذ ستينيات القرن الماضي، تدبّج بفن رقيق وسموّ ما تأثرت به من كُتّابٍ عظام مثل: غوتة، شليغل، بلزاك، فلوبير، وليم جيمس، تشيخوف وساروت. إنه أسلوب الحكاية يحتاجه الناس ويشبه ما أراده الإنجيل من الأمثال القصيرة، فكل حكاية وسيلة لهدف، لذا لقبت مونرو “تشيخوف كندا”. إذ كانت “بارعة في التقاط فسيفساء طباع الناس”، هذا ما صرّح به سكرتير أكاديمية نوبل بيتر إنغلوند Englund بعد إعلان اسمها مشيرًا إلى آخر كتبها: “لقد ركزت على منطقة جنوب غرب أونتاريو وهي منطقة شعبية استقت منها قصص الناس”.
أليس مونرو امرأة بسيطة كانت تملك مع زوجها مكتبة لبيع الكتب، بدأت تجمع حكايات الناس منذ 1968 لأناس بسطاء وصفت حياتهم اليومية ومغامراتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم وصراعاتهم بدقة. فهي تعرف كيف تستعرض جوانب نفسيّة وتراكم عواطف شخوصها، التي أغلبها من النساء اللواتي لا سعادة لديهن، لكن أليس تخرج أبطالها عن الروتين الذي يعيشه أغلب الناس، وكأنها تقتحمهم ليتجاوزوا حدود حياتهم، إنها كاتبة الخفية لا تحبّ الشهرة والفخفخة ولا تتردّد إلى المنتديات ولا تعطي تصريحات إعلامية.
لقد تربت مونرو منذ صغرها أن لا تجتذب الانتباه، لكن جائزة نوبل أشهرتها بالرغم منها كما أشهرت جائزة زاخاروف الصبية “ملالا”. وكما كانت الصبية والمنزوفة بالنسبة إلى مرقس الإنجيلي شهادتين على الإيمان في زمانه، أقول إن الصبية ملالا والعجوز أليس بالنسبة إليّ هما صورة للمرأة في عالم اليوم، إذ عليها أن تصرخ كلمتها في وجه كل من يحاول إسكاتها، وهذا هو الجهاد الحقيقي في الشرق والغرب صراع ضد الجهل، فالمغمورون سيخلصون العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*