الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / المواطنة بين التواصل وازدواجية السلوك (افتتاحية العدد 495-496)

المواطنة بين التواصل وازدواجية السلوك (افتتاحية العدد 495-496)

افتتاحية العدد 495-496نائب رئيس التحرير
يقال إن عصر الأيديولوجيات الكبرى كالرأسمالية والشيوعية قد انتهى مع سقوط جدار برلين في 1989. فشاع وهم كبير، يرى بأن الحرية الفردية أخذت مكان تعسف الجماعة واستبدادها. لكن علامات أيديولوجية من نوع جديد بدأت بالظهور، لم يشعر بها مفكرو زماننا، هذه المرة فحسب، لكن عامة الشعب، لتغزو حتى أبسط شارع من المدينة والقرية: إنها أيديولوجية المادية المخدرة والمطعمة باللامبالاة العملية. لقد عانى الكثير من مؤسسي الحركات الفكرية في الماضي من إشكالية التعشيق بين بعدي الحياة: النظري والعملي. فكان خوفهم من السقوط في فخ ثنائية تعتمد منطق: “مع أو ضد”؛ هل يجب البقاء في حيز التنظير بحجة أن الفكر أهم من الفعل، أم العكس؟ فأدى التساؤل بالضرورة إلى انقسام المفكرين: فمنهم من مال إلى نوع من روحانية مثالية (يوتوبيا)، لا تخلو من أدلجة إقصائية؛ وآخرين فضّلوا البعد العملي كنقطة انطلاق، لكن لم يسلم الإنسان من ثقل استعباد المادية التي تبناها هذا البعد. وانكشفت اليوم المسألة أكبر من أن تكون مجرد “مع أو ضد”. فلم يكن انقسام المفكرين إلا علامة فكرية على انقسام أكبر لدى الشعب في كل ميادين الحياة.
لا يقل خطر المادية اللاأبالية عن الأيديولوجيات الشمولية كالماركسية والفاشية التي سيطرت على دول بأكملها القرن الماضي. لأيديولوجية المادية قدرة على تخدير المجتمعات والأفراد. فهي تحمل سياسة ذات صبغة مادية بحتة لا تمتلك شكلا معينا كي يتم التعامل معه ومحاربته. إنها تشبه خلية (الاميبيا)، التي لا تمتلك شكلا ثابتا، تتغير وبشكل مستمر. هل السياسة مرنة الى هذه الدرجة بحيث ليس بالإمكان لمح الصيغ التي تأخذها؟! فعندما تفلت من إدراك الفرد، يميل إلى التعب من “السياسة” ليقع في اللامبالاة. هكذا غزت نزعة المادية اللاأبالية ثنايا مجتمعنا. فلم تعد المؤسساتية السياسية أو الاكاديمية مرتعها -كما كان في السابق-، بل ظهرت في أسواقنا على شكل سلع استهلاكية (السوبرماركت) لتقدم مغريات لم تكن موجودة من قبل. فعندها إقترن التلاعب السياسي بالفساد الاقتصادي ولد عندئذ الفساد الإداري والخدماتي. فإن كانت أيديولوجيات القرن الماضي تُفرض قسريا على شعوب بأكملها من الخارج، فالمادية اللاأبالية تعمل بقدرتها الهائلة اليوم، على تخدير وعي الأفراد. كان فاتسلاف هافل (Havel 1936-2011)، الرئيس التشيكي الراحل من الأوائل الذين شخّصوا بوادر هذه المادية اللاأبالية كونها أخذت محل الأيديولوجيات الكبرى. لقد كان هافل منشقا (dissident) على الشيوعية وحاربها بشدة، داعيا الى “العيش في الحقيقة” وبلا رياء. فرأى بوضوح أنه، كي يعيش المرء اليوم بسلام في مجتمعه وقريته، لا بد له من أن يكذب ويستعين بالكذب كوسيلة للإبقاء على صداقاته ومصالحه. فلم يعد المجتمع يبنى على ما تعودنا عليه فقط: كذب الساسة، بل كذب أبسط فرد. لم تتجذر الأنظمة الشمولية وتنتعش إلا على ما كان في شعوبها من ضعف، متطفلة على لاوعي عام، في “كتلة” العامة التي لا رأي لها، همها توفير لقمة العيش. أما الحال فقد تفاقمت اليوم، فأبسط فرد، يؤكد هافل، لا يستطيع العيش في مجتمعه اليوم إلا مع الكذب ويجب عليه ممارسته “كي يترك بسلام”، أو كما يقول المثل الشعبي: “يمشي حاله”. فأخذ هافل في مقاله (The Power of the Powerless 1978) شخصية “بائع الخضار”، كمثال يلقاه المرء أينما وجد، يضطر إلى الكذب ليكون “بائعا ناجحا” يضحك بوجه زبائنه حتى وإن كان غير مقتنع بما يبيع فالمهم، أن تختفي بضاعته!
سيطرت الأيديولوجيات الشمولية في الماضي عن طريق الإرهاب والتخويف، لكن هذه الأنظمة الجديدة (subsystems) المبنية على المادية الفردية واللاأبالية، تستخدم الافراد وتستعين بالتلاعب والحيلة. فلو كانت الشعوب تحت الأنظمة الشمولية تتعاضد لتنجو من البطش، وعلى الجميع الاقرار بأن “الفيل يطير” لأن الحكومة أقرّت بذلك! أما اليوم فيشهد المرء العكس تماما. بدأت الفردانية، أخطر امراض المجتمع، بتربية الفرد أن لا يساند الآخرين ويتعاون معهم، فزرعت فيه الريبة لكي “يتقزز” من حضورهم! فليس من الغرابة أن نشهد ذلك في محيط مصغّر كقرانا ومدننا. فغالبا ما نقع في وهم لنطمئن أنفسنا: “حدثت المصيبة لديهم، والحمد الله، لا لدينا!”. إنه خمول اجتماعي حيث لا تواصل، سببه استرسال تبثه نزعة المادة في نفس الجميع فتحيطهم بأشكال طمأنينة كاذبة ووهمية. فهم راضخون تحت وطأة ازدواجية سلوك بين ما يؤمنون به فعلا وما يقومون به على أرض الواقع! فالتمييز بين “الخير العام” وبين “مصالح الفرد الشخصية” ليس أمرًا عسير الفهم، لكنه لم يعد يدغدغ ضميرنا الذي تخدر فسقط تدريجيا في اللاوعي. وماذا كانت النتيجة سوى أن يصبح الحق والباطل والخير والشر أمورا نسبية! ألا يصدق المثل القائل: “مصائب قوم عند قوم فوائد!”؟ لذا على الفرد أن يكذب وباستمرار كـ “بائع الخضروات” الذي ساقه هافل مثالا على التساهل مع الكذب. فالكذب لغة ذات مفردات ورموز يُتَرجم الواقع من خلالها. لذا يمكن لمجتمعات كاملة أن تُبنى على أكاذيب. فكل نظام يعتمد الكذب أساسا، لا ينفي مطلقا أنه يبحث عن الحقيقة، لا بل يسترسل في قائمة وعود وهمية. لكن الزمن كفيل بإظهار حقيقة تلك الوعود ومدى نزاهتها. ومن يحاسب إن كان الجميع يستنشق هواء الكذب المخدر نفسه؟
لقد نشأت أنظمة جديدة في مجتمعنا بعد 2003 تشابه ما كان هافل يصفه قبل عقدين، لتظهر كتكتلات غايتها “بناء الوطن”. لكن مضى أكثر من عقد والكل “يبني”، وما زال الوطن مشلولا! هل المشكلة في جسامة حالة وطننا فيكون محالا ان يعالج في فترة ليست بالقصيرة (10 أعوام) على الرغم من أن الجميع لا يزال يبني؟! لقد بُنيت أوربا بعد حرب مدمرة في فترة أقل من الزمن الذي يمرّ على العراق! أم لمفهوم “البناء” في لغة معاصرينا معنى آخر نجهله؟! لقد انقسم الوطن الى أنظمة لا تحصى، “بعدد نجوم السماء”، كل يبني من جهته. لكن هناك قاسم واحد يجمعها: ليست هناك شركتان تعمران البلد وتعلم إحداها أين تتجه الأخرى! مقاولون يعملون في المكان ذاته لكنهم يشبهون رواد فضاء في مجرات متباعدة الى أقصى الحدود. والنتيجة هي بلا شك كارثية! هكذا فالكل يكذب على الكل و”القطار يتحرك ساكنا في مكانه”، أو بالأحرى “يراوح”؛ أو كما يقول المثل الشعبي: “يركض والعشا خباز”! لكن إلى متى؟ سؤال تعوّد الكثيرون على طرحه. فمن كثرة ما طرحوه ومن كثرة ما قوبل بأجوبة “جاهزة ومخدِّرة” لكل أنواع التساؤلات، بدأ ملل الاجوبة ودبلوماسيتها يخدّر وعي الجميع فتعبوا من طرحه! لذا يمكن ان “نتعود” فنتخدر بلا وعي فنعتاد تدريجيا على كذب الآخرين فنتعلم بدورنا أن نكذب وهكذا دواليك مع أطفالنا والاجيال القادمة. فليس اذن من جواب شاف عن: “إلى متى؟”، طالما لن يظهر من يُوقِف هذا جذريا. وليس من حل أعاجيبي. فما الذي من شأنه يردع هكذا أكذوبة ويفضحها؟ ألم يحن الأوان لأن نفهم ما تعنيه كلمة “المواطنة”؟
يعتبر تطوير الحس الوطني والمواطنة أعظم انجاز يمكن لأمة أن تبلغه. فالتخلص من “أنصاف الحلول” ومن الاكتفاء بفكرة أن الأمور تسير فحسب، هي ضرورات مُلحّة كي يتم وضع أول حجر نحو بناء وطن بكل المعاني التي تحمله هذه الكلمة. كما قال دبلوماسي أجنبي يومًا: “أنتم العراقيون تسعون الى بناء وطن، في حين أن ما ينقصكم هو أهم مقومات البناء الاجتماعي: تطوير حس المواطنة لدى أبناء شعبكم”. لقد صدق! اذ هناك فرق بين ما نعيشه في بيوتنا وخارجها أي في شوارعنا وأسواقنا. ترى البيت نظيفا في حين أن الشارع هو مكان إلقاء النفايات. لكن لو كان الأمر محصورًا فقط على النفايات لكانت الحلول هينة. لكن الطامة الكبرى، أن الأسلوب الأخلاقي في الشوارع لا يعكس ما يعاش داخل البيوت. فبلوغ حس مواطنة صحيح يبدأ بـ “تربية الفرد” على حب شارعه واحترام من يمرّ به كما يحترم أهل بيته. إنها تربية تبدأ من الصفر، مع أطفالنا ومناهجنا التربوية التي يجب أن تبنى على احترام الغير في خصوصيتهم ومعتقداتهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*