الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / الميلاد والضيافة في الأخوة، إفتتاحيّة العدد 519-520

الميلاد والضيافة في الأخوة، إفتتاحيّة العدد 519-520

الميلاد والضيافة في الأخوة، إفتتاحيّة العدد 519-520oki

نائب رئيس التحرير، الأب د. هاني بيوس

ها إن ميلاد الرب الممجد قد حل هذا العام ونحن اليوم بين أولئك الرعاة والمجوس القادمين من بعيد. نحمل آلامنا وآمالنا. جاءوا من أقاصي الشرق باحثين عن سلام حقيقي، سلام القلب. لم يجدوا هذا السلام لا في مجتمعاتهم ولا قدراتهم الشخصية بل في الله المتجسد في مذود! فهو يجسّد كمال الضيافة الحقيقية الوحيدة. ويعرف كيف يستقبل ولماذا. إنه عالم بما تحمل قلوبهم. بعد لقاء المجوس والرعاة بالرب وبمريم ويوسف في المغارة، تعلموا كيف عليهم أن يستقبلوا مع أنهم غرباء.

لدينا من الضيق ما يجعلنا نشعر بما شعر به من يبحث عن منقذ من قبل. ضيق على القلب وستار مسدول على أنظارنا، ستار أسود يلبد سماء حياتنا. ضيق ينكشف في شكل قلق كوننا نشعر بأننا واقفون على “رمال متحركة”. رمال لا تسمح لنا بالثبات والبناء خوفًا من تكرار مأساة خيبة الأمل ممَِن يحيطون بنا؛ من جيران قرانا الذين طالما كانوا يحلّون على بيوتنا ضيوفا كرامًا لاعتقادنا أنهم أهل لصداقة وجيرة يحترم فيها الآخر جاره وصديقه. لكن ما كانوا يحملون كان عكس ما تحمله قلوبنا التي سعت الى السلام والبناء. قلوبهم كانت تحمل ضغينة وحنقًا أسبابه واضحة: إننا مختلفون والمختلف يجب التخلص منه. لقد كانت بوادر ذلك الحنق على قرى سهل نينوى المسيحية حاضرة قبل أحداث آب 2014، حينها كان بعض هؤلاء “الأصدقاء بالاسم” يتلفظون بعبارات كـ: “شيدوا هذه البيوت الجميلة، فيومًا ما ستكون لنا!”.

من زار قرى سهل نينوى بعد انسحاب داعش منها ينصدم من شدة الدمار الذي حل بكل ممتلكاتها المدنية والدينية. إذ لم يسلم بيت بسيط ولا كنيسة ولا حتى مقبرة من الدمار والعبث المتعمد والنهب. كيف يمكن للمرء تفسير هكذا تناقض في عقلية؟ من يسكن في بلدات أهلها كان سباقًا في مساعدة داعش في النهب والسلب والقتل. إنه تناقض بين تقليد ضيافة وجيرة واحترام “سابع جار” وما يحدث عمليا على أرض الواقع. لقد قامت أجيال من الآباء والاجداد من قرانا المسيحية بخدمة قرى هؤلاء في التربية والتعليم والصحة. لقد حكى أحد مدرسي قره قوش والألم يعصر صدره كيف خدم في تدريس أبناء إحدى هذه القرى لسنوات طوال وأول من سرق بيته ونهبه كان أحد طلابه؟! أمر عجيب وطريقة غريبة لرد الجميل! ما هذه الأخلاق والسلوك المنحرفين؟ وليس هذا بجديد. فعبر عقود من الزمن عانت المكونات الصغيرة وبخاصة المسيحية من ويل “تقلبات” و”مزاجيات” جيرانهم العرب من غير المسيحيين.

هل هذا العنف أعمى وعشوائي؟ لا أعتقد ذلك لأن كل المؤشرات وطريقة التدمير تكشف عن غاية مبطنة لمسح ذاكرة العراق المسيحية.

إنها حيرة تعتري قلب كل مسيحي لا لكونه “لا يعرف” كيف يبني، بل “على ماذا يبني؟” ومع “من”؟

أين الضيافة وكرم الشرق؟

لدى الحديث عن طيبتنا البدوية، التي يضرب بها المثل، تأتي كلمة “الضيافة” الشرقية والعربية في قلب تفاخرنا الشرقي. لماذا يراها البعض “قيمة اجتماعية” وتقليدًا فقط، موروثين طالما تفاخروا ويتفاخرون إلى الآن لكنهم، في الحقيقة، يجهلون أبعاد الضيافة البدوية الآنية العميقة؟! نحن على ثقة من أن للضيافة جذورًا عميقة، لا فقط في إرثنا الديني لكن في ثقافتنا العربية وتركيبة ترابنا العراقي.

يسرد نص من الكتاب المقدس (تك18/1-7) كيف استقبل إبراهيم أبو الديانات الموحدة ملائكة مرسلين من عند الله. إن ما يلفت انتباه القارئ هو استقبال إبراهيم لهم واحترامه العميق، بالرغم من انه كان يجهل هويتهم كملائكة مرسلين من الله، لأنهم كانوا ضيوفا عليه وعلى عائلته. هناك طيبة تشكل جزءًا أساسيًا من طبيعتنا الشرقية البدوية، والعراقية خصوصًا. وهذه الطيبة هي أعظم ما ورثناه وهي قدرة المرء على استقبال الآخرين مهما اختلفوا. تجعلنا هذه الضيافة نختلف عن الغربيين. (وأعتقد من عاش في الغرب يستطيع أن يفهم ما هذا- ألا نسمع غالبا من العراقيين، مسيحيين كانوا أو مسلمين في المهاجر هذه العبارات تتحسر فيها قلوبهم على ماض قريب وبعيد:”الله ما أحلى أيام بغداد والموصل والبصرة ويا شمالنا …” إنه نفس الشعور الذي ورثناه عن أبينا إبراهيم؛ نتقاسم هذا الإرث وهذه “الطيبة البناءة”. فيشعر أهل الشتات أن هناك شيئًا ينقصهم أو بالأحرى شيئًا مفقودًا: الضيافة و”البيت المفتوح”و”الكعدة” الطيبة. لقد أصبح العراقيون غرباء عن أصولهم، لم يعد المرء يتعرف عليهم؛ غرباء يعيشون في “المهجر” مع أنهم لم يتركوا بلدهم! لقد أصبح الغرب –الذي تختلف عاداته وتقاليده- المضياف الأساس في العالم. فتفتح الدول الغربية أبوابها سنويا للملايين ممن يتركون أوطانهم لمختلف الأسباب، فلا يتساءل لا عن لونهم ولا عن دينهم وعن ظروفهم الاقتصادية. في حين أن غالبية الدول العربية –عدا مبادرات نادرة من بعضها- تتماطل أو تتملص، بالأحرى، من التمسك بأصولها الشرقية العربية المضيافة!

أبواب مفتوحة وأخرى موصدة

يحل الميلاد هذه السنة على مسيحيي العراق وهم بعيدون عن أرضهم. كالمجوس والرعاة الذين كانوا يسيرون على الطريق يبحثون عن مَن يعطيهم أملا في المسير في ليل حياتهم. نحن نبحث عن الضيافة كالذين حضروا أمام طفل المغارة الذي لم يكن لديه حتى مكان يولد فيه سوى مغارة بسيطة متمثلة في مذود حيوانات. مع ذلك استقبلوا يسوع وهو في أحضان مريم ويوسف. كان الرعاة والمجوس يبحثون عن باب ولا بد أنهم قد طرقوا أبوابًا كثيرة إلى أن بلغوا المغارة. أبواب متنوعة تفتح وتغلق أمامهم؛ أبواب لاتعطي الامل. ولا زلنا نطرق اليوم أبواب الرجاء في العراق، لدى ذوي الإرادة الطيبة. رحلة الميلاد قد بدأت لكل مسيحي عراقي ومشرقي. رحلة لا بد أن نعبر من خلالها مطبات العنف وحلكة ليل طال على الكثيرين وهم يبحثون عن نهاية نفق الظلام هذا.

إنها لحظات على المسيحي أن يكون يقظًا على الطريق الذي يسلكه كي يصل إلى مغارة الرب المولود لا إلى مكان أحلك من الأول. الرب وحده قادر على أن يعطي سلام الحياة كلها لأنه الوحيد الذي يمكننا أن نثق به بشكل مطلق ونهائي. فمن استضاف الرب في قلبه، كالمجوس والرعاة، سيكون بمقدوره أن يستضيف الآخرين حتى لو كان منبوذًا ومهجرًا. فالضيافة هي بالقلب قبل أن تكون في المادة. فالذي يستضيف هو من يفتح قلبه كالإبن المتجسد في المغارة كي يستقبل أخوته. فالضيافة في نهاية الأمر فعل إلهي قبل أن يكون بشريًا ومن تشبّه به فهو من أبناء الملكوت.

فالضيافة إذن غير مشروطة بمكان لأن المسيح حولها، مع كونه حل غريبًا في مكان بسيط، إلى ضيافة القلب. كان السامري الصالح قد اعتنى بأخيه الانسان المجروح على الطريق والمتروك لكل أنواع الخطر. لقد استضافه على “الطريق” وكان سائرًا. لقد فتح أمامه أبواب الرجاء في الحياة كما فتح المسيح المتجسد في المغارة أبواب نور في ليل الرعاة والمجوس. يعلمنا الابن المتجسد أنه أينما كنا نستطيع أن نقبل أخوتنا لأن القلب إن كان منفتحا على نور الله يكون عندئذ أوسع من الكون أجمع. فالقدرة على الضيافة اذن هي صفة إلهية تتحول الى إنسانية عندما نعيشها في حياتنا. فنفهم ما معنى أن يكون الملكوت حاضرا. ليتعلم من يعيش حولنا ما معنى أن نؤمن بالله وبحضوره.

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*