الناس والأسماك

افتتاحية العدد 58جلس صياد شيخ على شاطئ البحيرة والتف حوله أحفاده. كانت الشمس تميل إلى الغروب والرجال يصلحون شباكهم بعد عناء يوم كامل ثم نظر أحد الأولاد إلى سلال السمك وقال ما أكثر أنواع السمك في العالم يا جدي؟
تنفس الجد الصعداء وقال: أجل ما أكثرها أنها متنوعة مثل البشر!
تعجب الأولاد من ذلك الكلام فشرح لهم وقال: مثل حياة الإنسان كمثل بحر يحوي أنواعا كثيرة من السمك.
سمك يعيش في القاع يتمتع بالماء الهادئ والغذاء الوفير ولكن الظلمة التي تغلفه أفقدته لونه ووفرة الطعام سلبته حيويته فضمرت زعانفه وترهل بدنه.
وسمك يعيش في الماء الجاري ويسبح مع التيار تراه يمضي سحابة يومه يجري وراء الطعام يحاول اللحاق به والتقاطه فحياته ليست إلا سعيا وراء لقمة العيش.
إن غالبية الأسماك تعيش على ذلك النحو!
وسمك يعاكس التيار مثل سمك السلمون، إنه قوي البنية شديد البأس يفغر فاه فيأتيه الماء بكل ما يلزمه من الطعام ثم يمضي سحابة يومه في عمل أشياء كثيرة غير السعي وراء لقمة العيش لذلك نراه يهوى الصعاب ومواجهة الأخطار.
وسمك إكتشف عالماً آخر يختلف عن عالمه المليء مثل الحوت، إنه عالم تهب فيه الرياح فيملأه الروح فيفقد الجسد ثقله وتسمو نفسه فيتردد إلى ذلك العالم من حين إلى آخر ليتنفس منه ثم يعود إلى مياهه مجددا تسري في جسده حيوية ونشاط.
وسمك لم يكتف بالتنفس من العالم الآخر فأراد أن يغوص فيه مثل الدلفين الذي يريد أن يتحرر كلياً من المياه وصعوبات العيش فيها وملذاتها فتراه دائم الارتفاع نحو الأعلى حيث الشمس والهواء الطلق يقفز ويحلق يتمتع ويتأمل ولا يعود إلى عالمه إلا ليلبي حاجة جسده، إن سمو حياة ذلك النوع يجعلكم تقفون أمامه بإجلال واحترام وتحبونه محبة فائقة.
تلك هي طرق عيش الأسماك المختلفة. تلك هي طرق عيش الإنسان المختلفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*