الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / الولادة رحمة والرحمة ولادة, إفتتاحية العدد 509-510

الولادة رحمة والرحمة ولادة, إفتتاحية العدد 509-510

رئيس التحرير الأب فيليب هرمز

     بينما يعجّ كوكبنا اليوم بقعقعة السلاح والحروب، وتنشغل نصف الكرة الأرضية بشن الحرب على النصف الآخر، أعلن البابا فرنسيس “سنة رحمة” تحتفل بها الكنيسة، إبتداءً من 8/12/2015. هكذا تجري الأمور في منطق لا يجاري حسابات الآخرين، فالسباحة عكس التيار عودة الإبن الضال لرمبرانت2هي من سمة الحكماء وذوي البصيرة، الذين يرون ما ينقص العالم ويقترحون وضع النقاط على الحروف، كي تعود الإنسانية إلى رشدها، ويتوب الإنسان عن ممارسة العنف وإقصاء الآخر.

الولادة رحمة

   في أيام نحتفل فيها بميلاد المسيح وبالسنة الميلادية الجديدة، تظهر أعجوبة الولادة كعمل خاص بالرحمة الإلهية. إن أي ولادة هي تحرير للرحمة في قلب العالم لأنها تضع أضعف أنواع الحياة في متناول الإنسان: الطفل. فهو كاشف لله وخلقته من ناحية، ومن ناحية أخرى، يدلّ على مشاركة الإنسان في ديمومة الحياة. من هذه الوجهة، يُعد ميلاد المسيح تجلي لأبوّة الله في العالم، لأنه “هكذا أحب الله العالم…” (يو 16/3).

وهنا نتساءل، من هو الآب بالنسبة لنا؟

كنّا نعرف ملامح الآب بواسطة الكتاب المقدس، خصوصا في العهد القديم. لكن مع التجسد، أصبح لنا موعد مع عرس الآب، الذي هو عرس القيامة إذ يكشف لنا حب الآب والإبن المتبادل، تلاحم إرادتين بمباركة المحبة، كما يصفها القديس أوغسطينس: “المحب هو الآب، المحبوب هو الإبن والحب هو الروح القدس”.

مما لا شك فيه أن المؤمن يكتشف موضوعيا الآب من خلال نصوص وقصص الكتاب المقدس، ثم يلتزم إيمانيًا في حياة الكنيسة وممارسة أسرارها، ليعيش خبرة ذاتية وتواصلا حيـًّا.

يسرد الكتاب المقدس حياة الله وحياة شعبه المختار. ويحوي أيضًا قصة عائلتي الإيمانية، قصة الأهل والأجداد، أي الأصل، مما يساعد المؤمن في الولوج إلى تاريخ العائلة كما دخلت العائلة في تاريخه، في لقاء مشترك ومتجدد مبني على الرحمة يوميا. هكذا يحاول الطفل المولود، عندما يكبر تدريجيا، فهم هذا التاريخ، أسلوبه ونقاطه السوداء والبيضاء. وتاريخ الكتاب المقدس هو تاريخ مقدس-سماوي وعادي-أرضي في الوقت نفسه. مقدس بالله وبقصصه الرائعة مع الآباء والأنبياء التي أغنت الإنسان بالحكمة وغذّتـه بروح قدوس كي يُميّز الخير عن الشر. أما التاريخ العادي-الأرضي فتجلى بشعب خاطئ ومواقف متمردة إذ رفض الدخول في تاريخ الله المقدس-السماوي. فولوج الشعب إلى رحمة الله هو التدّين المبني على جوهر الإيمان، إذ يحاول الشعب بوسائله تلمس وجه الله الحقيقي.

هنا جاءت مبادرة الله بالتجسد، ولسان حاله يقول:”أنا أحب، إذا أنا خارج من ذاتي نحو الآخر”. لقد أرسل لنا كلمته: يسوع.

قصة الله الآب مع شعبه هي قصة حب وتصوف وعطاء. الله يعطي، لا بل يخلي ذاته في التجسد من أجل اللقاء بالإنسان. وهذا التجسد يظهر وكأنه فضيحة في نظر العالم. فكيف أن الله المتعالي والمتسامي يقبل الدخول في ثقب الإبرة؟ أي الدخول في جسد إنسان عادي. فالله اللامحدود يقبل بأن يدخل في المحدود، واللامعقول يدخل في المعقول. تصبح هذه العبارة ضربًا من الجنون في المنطق العادي. الإيمان هو: أن يتقرب منّا الله بحيث يصبح صديقا، فلا توجد أسرار بعد اليوم بيننا وبينه، لأنه قد أطلعنا عليها كأصدقاء لا كعبيد وخدم.

 يتقرب الإنسان، إيمانيا، من الله بسبب الخطيئة لأنها تكشف نعمته. يلتقي الآب بالإبن بكل الخطأة والعشارين والزواني. لكن في كل تقارب تحصل خيبات أمل وجراح، أو إنطلاقة حقيقية وجديّة من خلال المواجهة والغفران، لأنهما يبنيان الحياة على أساس الرحمة وليس الدينونة.

الرحمة ولادة

تسبقنا الكلمة دائما لأنها هبة وعطيـّة من الآب. ونحن لا نستطيع وضع اليد عليها أو فهمها كاملا لأنها تتخطانا. فمعنى “في البدء كان الكلمة”، هو أنه، يسوع الكلمة يولد فـينا منذ البداية أمسا واليوم وغدا، وهي ولادة دائمية، شباب أبدي وخلق مستمر. فهو في ولادة كل طفل، وكل إبداع جديد، وكل عمل فني متجدد، وكل إشراقة شمس جديدة.

لكن هذه الكلمة المعطاءة تحتاج إلى قراءة إيمانية. أي أن الكلمة روح ونطق وصوت، كمثل الريح يهبّ على المؤمن لأنه يصبح قصة محكاة في تاريخي وجسدي:”الكلمة أصبح قصة وحلّ في الكتاب المقدس”. هكذا يدخل المؤمن في خبرة الكلمة المفتوحة أمام العالم، يقرأ فيها قصة جديدة من حياته. بهذا يصبح الكلمة إمكانية ولادة جديدة، فهو الجسر الذي من خلاله نصبح قصة لله في العالم.

إذن كل قراءة للكلمة هي مصغية، صامتة، متفاعلة، إيمانية. بل أكثر من ذلك، هي بحث عن الكلام الحق والرحيم، الذي هو النقص الحقيقي فينا.

إن لقاء الكلمة يسوع في الكتاب المقدس هو عمل وطريق وبحث: معرفة وهجرة ومغامرة. كل قارئ هو مسافر لا يحتاج إلى طائرة ولا إلى حقائب. فإنسان اليوم يعيش في حيرة وقلق، ويشبه ذلك الرجل الذي دخل غابة كبيرة، ووضع فيها إشارات عديدة للعودة حتى لا يضيع. لكنه مع ذلك أضاع الطريق. هكذا تاه الإنسان بعيدا في عدم فهم تأثير الديانة الحقيقية وعلاقتها بالإيمان الشخصي. الديانة هي إنفتاح وتفهم وقبول للآخر المختلف، إن كان الله أو الإنسان. فالإختلاف أفضل معلم روحي في العالم. وقلب الديانة والإختلاف هو مسار الرحمة الذي يهدي القلوب إلى المحبة. فنحن أولاد الله جميعًا وهذا أساس التعايش والحوار. وها هو اليوم وكأنه يعود من خلال تيارين: إما نادما مصغيا ومقلدا أبسط الأمور البدائية ومتخذا أساليب متصلبة ومتشنجة في إختيارته؛ وإما، وهذا التيار الثاني عاد متقلبا بسرعة البرق في مواقفه تجاه نفسه وتجاه الآخرين، ليذوب في حياة استهلاكية للقيم والمعاني الإنسانية، مرددا عبارة “لقد إختفت الرحمة من قلوب الناس”. لكن أليس كل ما حدث هو بسبب التمسك الأعمى بالتقاليد والحقد والأنانية، وفقدان الرجاء، والإبتعاد عن عيش الحياة على أساس الرحمة؟ لقد عدّ القتل من أسوأ أنواع الكراهية، لكن أليس إزدراء الإنسان هو أقبح أنواع القتل، لأنه بدون رحمة؟ حتى الكذب والفساد المالي والمراءاة إنتشرت في مجتمعنا، وصارت كأنها سلوكيات “طبيعية” مقبولة، بينما هي عكس الموازين الإلهية والإنسانية، وتتطلب زمن أجيال كاملة من التربية لإزالتها. إذا كان مجتمعنا يعلن الإيمان بالله، فعليه أن يمارس الرحمة تجاه الإنسان في أضعف مواطنيه ومهمشيه، فأسمى أنواع أعمال الرحمة هي إجتماعية وليست سياسية. هنا تبدأ القلوب بالإنفتاح لأنها مبنية على الإيمان بالإنسان والله، كما يقول البابا فرنسيس: “حيث يكون الرب تكون الرحمة”. إذن الرحمة موجودة لا تفنى ولا تستثني أحدًا، ولكن لا تعيش في القلوب المغلقة.

مانشيت  

 يمكن لرحمة الله أن تحول الأراضي القاحلة إلى حدائق ويمكن أن تنفخ الحياة في العظام الجافة… فلندع رحمة الله تجددنا.

البابا فرنسيس بمناسبة سنة الرحمة

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*