الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / بعد الموصل: الإنتقام أم الغفران، إفتتاحية العدد 521 – 522

بعد الموصل: الإنتقام أم الغفران، إفتتاحية العدد 521 – 522

بعد الموصل: الإنتقام أم الغفران، إفتتاحية العدد 521 – 522_68169235_bae4db50-c69c-45f9-9c10-cace4a789701

رئيس التحرير، الأب فيليب هرمز

بعد 27 عامًا قضاها خلف القضبان، خرج الرئيس الراحل نيلسون مانديلا من السجن ومن حقبة التمييز العنصري ليترأس شعبًا غارقًا في اللامساواة والعنف بين طبقات شعوبه البيضاء والسوداء. لقد كان الشعب “الأسود” مستعدًا للإنتقام من الأقلية البيضاء التي حكمت البلد لعدة حقب، إلى أن جاءت ساعة الصفر، ساعة الحرية، كي تكون ساعة إنفلات المشاعر الحاقدة، المتعطشة للعدالة عن طريق العنف. لقد فقه نيلسون مانديلا هذا البعد لدى شعبه الهائج فتقدم بعرض هائل إلى كافة مواطنيه: منح الغفران البعض للبعض الآخر، وإحلال العدالة عن طريق القانون وليس العنف. تلبدت غيوم دولة جنوب أفريقيا برعود وبروق، لكن شمس العدالة والسلام رجعت تشرق على بلد كان قاب قوسين من شفير هاوية الحرب الأهلية. بحكمة مانديلا، تمكن شعب كامل من اجتياز محنة الحقد والكراهية لديه. هذا ليس معناه بأن هذا الإجتياز كان كاملا ونقيًا بدون أي شوائب أو عنف، إلا أن نداء مانديلا كان خلاصيًا لتقدم هذا الشعب نحو شواطيء الأمان.

ليست هذه البداية ولوجًا في لاهوت سياسي يحاول بحث رؤية خلاصية في قلب وضع متأزم في وطننا العراق، بل هي محاولة تفهم للمشاعر العراقية الغارقة في العنف والإنتقام. يبدو أن العراق لم يهدأ منذ بداية حضارته ووجود شعوبه على أرضه التاريخية. فمن حرب إلى حرب، ومن عنف إلى عنف، وكأنه كُُــتب على شعبه التعب والشقاء مدى الدهر. لا تكمن المشكلة في الحضارة أو في الأرض فقط، بل المشكلة الأساسية تكمن في الإنسان، في مشاعره، في تحضره وفي ترويضه لمشاعره العدوانية والمتغربة عن الآخرين. خاضت شعوب أخرى غمار العنف والغرائز البدائية، مثل الفايكنغ في الدول الأسكندنافية، لتتطور وتصير شعوبًا “هادئة ووديعة” فتبني حضارات وعقليات ومسارات لصالح الإنسان وخدمته. في نفس المسار، يكتشف مهجرنا إيجابيات وسلبيات الدول التي هاجر إليها، ويواجه تحديات جديدة في واقعه اليومي، من لغة جديدة وبحث عن فرص العمل ومجابهة أخلاقيات الحضارة الجديدة التي يسكن فيها وعليه التكيّف معها، ناهيك عن القلق الناتج في تربية الأطفال إذ يرى الآباء والأمهات أنفسهم أمام الإبداع والحرية الغربية والتناقض مع التقاليد والتقييد الشرقي المعاشة سابقًا في بلدهما الأم.

شفاء الذكريات

الذاكرة البشرية نعمة ونقمة للإنسان الذي يريد عيش التوازن النفسي والروحي والإجتماعي بين ماضيه وحاضره. ترتبط الذاكرة بجروح الإنسان وعظمته في آن معا. بيد أن الإنسان ميال للسلبية أكثر منه للإيجابية على الرغم من بيئتنا الشرقية الطيبة المعشر. هكذا تنتشر سموم الذاكرة بين شعوبنا مع إزدياد العنف والانتقام، فنتوارثها جيلا بعد جيل وينمو الحقد بيننا كي تكون ذاكرة البعض مرتبطة بإزالة ذاكرة البعض الآخر. إنها خطيئة قايين تجاه أخيه هابيل. إزالة الآخر هو هدف كل قطيعة بشرية. عندما يولد قايين، تقول حواء إن الله “إقتنى” لها الحياة، بينما يقتني”قايين” الموت لأخيه هابيل. ألا يمكن لذاكرتنا العراقية الخروج من دائرة العنف المستمر والمغلق؟ إنه كلام موجه للمهجر أيضا الذي رحل بعيدًا عن أجواء الإنتقام ليعيش السلام والأمان في بقاع أخرى، لكنه ظل في لاوعيه، يجترّ العنف الداخلي تجاه الآخرين، إن كان في حياته اليومية أو في طريقة عيشه القوانين والأنظمة في أوطانه “الجديدة”!

لقد عاشت أوربا حروبًا شرسة في القرن العشرين، لكنها تعلمت الدروس القاسية التي أنتجتها تلك الحروب، منها الكراهية الهائلة التي نتجت من الحرب العالمية الأولى لتنهال بالموت على أوربا وبلدان أخرى من قارات أخرى في الحرب العالمية الثانية. فابتدأوا ينشؤن جسور التفاهم والصداقة والثقة بينهم، خصوصًا بين ألمانيا وفرنسا وبقية الدول الأوربية، من توأمة بين المدن وزيارات علمية متبادلة ونظام “إيراسموس” الجامعي لتبادل طلبة الجامعات الأوربية لمدة سنة واحدة، وشراكة إقتصادية بين الحكومات كي تكون المصالح مشتركة والواقع في تحسن مستمر. ونشأت حينها فكرة إدامة الذاكرة الصحية الإيجابية بين مواطني القارة الأوربية. فقاموا بإنتاج المتاحف والموسوعات والكتب والأفلام والوثائق التي تتحدث عن مآسي الحرب العالمية الثانية كي تتحاشى الأجيال الصاعدة تكرار كراهية الماضي بين الشعوب. ولأول مرة في تاريخها، عاشت أوربا (خصوصًا الغربية منها) سلامًا وأمنًا منذ عام 1945 وإلى يومنا هذا.

قضية السلام هي قضية مصالحة الشعب مع نفسه قبل أن يتمكن من التغلب على صعوباته وجروحاته. إن ذاكرتنا مجروحة ومثخنة بالحقد والكراهية. لا يمكن للعراق التقدم بدون شفاء للذكريات وللجروح التي قام عليها. فنحن، على أرض الوطن وفي المهجر نعيش بشكل خاطيء ذكرياتنا، وصارت الذاكرة مشتتة، فئوية وممزقة بدون قاسم مشترك بين الشعب الواحد. إن الذاكرة الإيجابية تلم شمل الشعب ولا تقسمه إلى إجزاء متكسرة. إن الإعتراف بالخطأ وبحق الآخر أن يكون له واقع وذاكرة وحياة مشتركة معنا هو خطوة في الإتجاه الصحيح. لكن الرفض ولوم الآخر على فشلنا وإخفاقاتنا دليل على ابتعاد الإنسان من الحقيقة.

ما هي الحقيقة؟

الحقيقة تعني أن العبور إلى بحر الأمان هو في قبول الآخر على الرغم من كل الشر الذي صدر عنه. لا يمكن لشعب واحد، من لون واحد، من دين واحد، من أصل واحد، أن يعيش لوحده على أرض المسكونة. وهنا يأتي “القبول” من الشعب بأن ما حدث لنا هو بسببنا وليس بسبب الآخرين، دليل على تجاوز المحنة والبدء بالغفران. توقع الشر من الآخر والشك به هو خطيئة “عراقية” بحتة تجعل من مجتمعنا أرضية خصبة لعنف دائمي وذاكرة سيئة تؤدي إلى الموت. إن أغلب الشعوب التي قابلتُ نماذج منها تتوقع الخير من مواطنيها وحب الآخر وتطور الشعب بكل كلمة وفعل ومبادرة. الغفران فقط يفتح باب الله وباب المستقبل أمام مواطنينا أينما كانوا. لهذا المصالحة مهمة، وزرع الثقة بين الناس واجب، والغفران ضرورة تاريخية وملحّة لشعبنا في الداخل وفي المهجر.

مستقبل العراق ما بعد تحرير الموصل

عندما رأيتُ فيديوًا قصيرًا بعد تحرير منطقة الدواسة لم أتعرف عليها أبدًا، وكأن هذه المنطقة وأسواقها الكبيرة تحولت إلى أطلال تنتظر ورشة عمل كبيرة كي تُبنى من جديد. بيد أن السؤال يتمحور حول بناء الإنسان قبلا وأولا في العراق؟ هذا ما نفتقده في العراق الذي ضحّى كثيرًا من أجل الحرية. لقد فهمنا منذ زمن طويل بأن البناء ممكن إن كانت هناك مساعدات ومهندسون وعمال، وهذا متوفر في أحيان كثيرة، لكن البناء الحقيقي يكمن في الإرادة الطيبة التي تريد بناء أولادنا على السلام والثقة، لا على أساس الحقد والإنتقام. فـ “الآخر” ليس جحيمًا لي، بل هو “الملكوت” بحسب المسيح، الذي على خشبة الصليب يغفر لصالبيه، لأنه في هوّة الموت يعطي الحياة لكثيرين. هو الإنسان الذي أخرجنا من دائرة العنف المغلقة، ومن تقرحاتنا المتعددة إلى إمكانية عيش السلام الداخلي وتجاوز الأنانية الموجودة فينا. ربما هي خطوة صعبة وشبه مستحيلة، لكنها ممكنة لمن يؤمن ويرغب بالحياة الحقة: الغفران سلاح الأقوياء والعنف سلام الضعفاء.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*