الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / تحديات معاصرة للكنيسة، إفتتاحيّة العدد 533-534

تحديات معاصرة للكنيسة، إفتتاحيّة العدد 533-534

تحديات معاصرة للكنيسة، إفتتاحيّة العدد 533-534

رئيس التحرير، الأب د. فيليب هرمز

ربما لم يشهد العالم من قبل هذا السباق المحموم من الإكتشافات في عالم الإتصالات والشبكات العنكبوتية للأنترنيت والموبايلات، وعالم البايو-طبية، وتحقق بشكل مواز تقدم ملحوظ في مسألة إحترام حقوق الإنسان والطفل والمرأة. لكن هذا لم يمنع من تفكك العائلة وازدياد حالات الطلاق وحدوث أزمات كبيرة في العلاقات بين الشعوب، وتناقص في الإيمان الشخصي أمام استفحال الإيمان المرائي المبني على الإزدواجية وقوة حصانة الجماعة والمكتسبات الإجتماعية للفرد. إن أكبر التحديات أمام إيمان الكنيسة اليوم ما يهددها من الخارج، كالعلمانية والفردانية، وما يهددها من الداخل، من تفكك النسيج الكنسي وندرة التعاضد مع جسد المسيح، وتفضيل بعض المؤمنين الإيمان الشخصي المبني على مشاهدة بعض الفيديوات والمعلومات الأنترنوتية على الإيمان المستلم كوديعة من الكنيسة.

العلمانية والفردانية

في عام 1905، صدر في فرنسا قانون فصل الدين عن الدولة، ليكون أنموذجا لعلاقة العلمانية مع الكنيسة، فأردتها إلى عالم الخصوصية الشخصية وعدم إمكانية تأثير الدين والتدين على مسيرة الدولة السياسية والعلمية والإجتماعية. في الواقع، لم يصبح للكنيسة دور يذكر في قضايا المجتمع الأخلاقية والتربوية بسبب إعتبارها مؤسسة حالها حال باقي المؤسسات الخيرية أو الدينية الموجودة في المجتمع لها حق إقتراح توجيه أخلاقي وتربوي، لكن لا تستطيع فرضه إلا على مؤمنيها.

ومن أخطر تحديات العلمانية للكنيسة هو بالذات عدم وجود تحدّ حقيقي لها. أي مهما عملت ونشرت وتكلمت الكنيسة، فإنها غير مسموعة على نطاق الشعب، وذلك لأسباب عدة.

أولى هذه الأسباب هي سقوط القدسيات في القرن العشرين وإمكانية تفسير الظواهر الإجتماعية والمناخية والطبيعية من خلال العلم والعقل. فرفض العالم غيبيات الديانة وتمسكها بمعتقدات سماوية غير مفهومة. فلم يعد الله سببا للعالم ولا مفسرا لوجوده. دفع هذا السبب الكنيسة إلى إعتماد العلم أيضا والحوار مع العقل كي تقدم فكرا ذكيا وإيمانا ناضجا ومقنعا لمعاصريها في شتى بقاع العالم.

ظاهرة أخرى مرتبطة بالقرن العشرين أدت وتؤدي إلى نوع من أنواع إهمال ما تقوله الكنيسة، وهي ظاهرة اللامبالاة وعدم الإهتمام المنتشرة على نطاق واسع في العالم. فالحياة الفردانية التي تشجعها دول عدة، تؤدي من جهة إلى إبداع في الحياة والعمل والدراسة وتحقيق قدر كبير من الحرية الشخصية بدون أي ضغط من المؤسسات الكبيرة في المجتمع ولا حتى من الدولة أو الحكومة التي تقف ضامنا لحرية المواطن. ومن جهة أخرى، تقود الفردانية إلى نوع من العزلة الشخصية وتفكك النسيج الإجتماعي وبرودة العلاقات بين الناس وتشتت الإهتمامات والمعارف والثقافات. فأصبحت الإهتمامات شخصية أمام كل شيء وشخص وحدث، فالمهم هو المصلحة الشخصية. هكذا باتت السياسة مملة، والأحداث الوطنية مجرد أوقات للحفلات والاستمتاع، وأمست الديانة مكانا للأعياد الكبرى فقط، وانكفأت على بعض التجمعات والنشاطات لكبار السن. بالنتيجة لم يعد شيء أو شخص أو حدث يحرك الجمهور أو مشاعر الناس ما خلا مغن معروف أو مباراة لكرة القدم، أما الباقي فيلفه طي النسيان. فلكل إنسان عالمه الخاص.

ما نلاحظه اليوم من عزوف الشباب عن التصويت في إنتخابات دول عدة، مرده أنه لم تعد السياسات محركة للمجتمع، بل الإقتصاد والإنتاج والعمل. هذا يجري أيضا على الكنيسة التي نلاحظ نقص عدد المؤمنين فيها فيما عدا في فترة الأعياد الكبرى أو المناسبات الخاصة. أصبح المؤمنون يعتبرون الكنيسة مجرد إنتاج ليتورجية معينة تكرارية استهلاكية أو مجرد معمل لإنتاج الروحانيات أو القرارات الأخلاقية. يبدو أنه لم يعد للديانة، في نطاق العلمانية والفردانية، من تحدّ حقيقي، ولهذا تشهد تراجعا عامًا.

  تحدي الإنقسام والتفكك

إن الترابط مهم في الحياة، لا بطريقة الخنوع أمام الدكتاتوريات، بل بطريقة تمييز المحبة والحرية والقرار. يتبين هذا عن طريق الثقافة الحقيقية التي تزرع البحث عن الحقيقة وعن ما يؤول إلى الخير العام والجمال والصلاح. هذه قيم يتفق عليها الجميع، لكنها نسبية عند الإنسان، وهذا ما يجعل الترابط صعبًا عند الكثيرين، لأن التفكك أبسط وملائم لطبيعة الإنسان. لهذا نخسر طاقة كبيرة في البناء والتربية، لكن يمكنها أن تذهب سدى لأن الهدم سريع ويحدث في سويعات قليلة، بل يتفنن المرء في طرق الهدم والتفكك ونكران الخير. والكنيسة، كغيرها من المؤسسات، تتعرض إلى هذا النوع من الهدم والإنتقاد، كي يصوغ معارضوها، كنائس على أهوائهم، بدون أن يفكروا بأن من حافظ على وحدة وترابط الكنيسة، منذ عشرين قرنًا هو ذاته الذي سيعطيها القوة عند التعرض للإضطهاد، لأن الإضطهاد الداخلي أقوى من الإضطهاد الخارجي. لكن الروح القدس، المسؤول عنها وعن كلام المسيح، لن يتنصل منها بل يبقى معها بالأمس واليوم وإلى الأبد.

يشهد المسيحيون حاليا من ينقد ويدين ويعتبر نفسه أكثر ثقافة من الكنيسة ومؤمنيها، وهذا يتأتى من التشتت الذي بنته وسائل التواصل عند الشباب الذي أوصل إليهم مفهومًا مبهمًا للإيمان، وعدم مشاركة الآخرين القيم والمعاني نفسها. هكذا نشأ جيل جديد من شبيبة يعتبر مرجعه الوحيد للحقيقة وتمحيصها هو الأنترنيت وكل ما يعطيه من معلومة جديرة بالثقة، ولم تعد الثقة بالكنيسة وبمؤمنيها، كشعب الله، مصدرا جديرا بالإعتبار. فبنوا هوّة بينهم وبين كل شيء يمثل الكنيسة ومفاهيمها الروحية وكأنهم غرباء عن عوائلهم وإيمانهم ومجتمعهم.

التفكك الذي يعيشه الشعب في المهجر إنعكس بشكل كبير على مسيحيي العراق، الذين يعيشون عزلة داخلية بسبب هجرة أغلب عوائلهم، ويعيشون إرباكًا حقيقيًا في إيمانهم بسبب مساحة الحرية في العراق في السنوات الأخيرة سياسيا واتصاليًا، إذ إنفتح البلد على موسوعة العالم المعاصر بما فيه من إيجابيات وسلبيات، وهو يحتاج لسنوات عديدة كي يهضم تجربته الخاصة في قلب العالم ويشق له دربا واضحا ومميزا.

لا خوف على الكنيسة من كل هؤلاء المعارضين والمنتقدين واللاأباليين، لأن فيها الكثير من المؤمنين الباحثين والعلماء والفلاسفة والمحبين والمدافعين، وهم مستعدون لا فقط لبناء الكنيسة، لكن أيضًا لتحديثها وتطويرها على أساس الحوار مع العلم والنقد البناء وقبول النقاط السوداء في تاريخها، ناهيك عن البحث المستمر، ما يجعل الكنيسة مكانا للتضامن مع الناس المنسيين والضعفاء. لقد مرت الكنيسة بفترات عصيبة في التاريخ، وكل جيل إعتقد بأنها حدباء مائلة إلى الخطيئة في جسدها الإنساني أكثر من ميلها إلى القداسة في رأسها المقدس يسوع المسيح. القداسة التي صارت استغرابا للناس وللمؤمنين أنفسهم وكأنها من غير زمان ومكان، لكنها كما يذكر البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي “إفرحوا وابتهجوا” : “نحن لسنا استثنائيين ولا أبطال خارقين، نحن أناس عاديون، والقداسة تمر وتتحقق في الأشياء العادية اليومية، مثل كأس ماء بارد، الإبتسامة، مرافقة المرضى والمعوزين، أفعال محبة في قلب العائلة. فالقداسة تنمو في حياتنا اليومية العادية البسيطة ولا تحتاج إلى أعمال خارقة”.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*