الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / تعطيل الفكر، إفتتاحيّة العدد 537-538

تعطيل الفكر، إفتتاحيّة العدد 537-538

تعطيل الفكر، إفتتاحيّة العدد 537-538

رئيس التحرير، الأب د. فيليب هرمز

لا تخافوا من الفكر، فهو قوتكم وحريتكم وقراركم. لكن يتعرض في كل زمن إلى الإبعاد لأنه يرنو إلى تربية أشخاص مستقلين يستطيعون النقد والتحليل واعطاء الأحكام في الحياة اليومية. فمنذ السنة الأولى من حياته، يتلقى الطفل ملايين الإتصالات عن طريق حواسه وهو يبني منظومته العصبية شعرة شعرة، ويُبعد ملايين أخريات، أما الدماغ فيبني الذاكرة واللغة والتعلم. ومع مرور السنوات، يكون هدف الأبوين والمدرسة تحقيق استقلالية الطفل في اختياراته وقراراته. لا يمكن القبول بتبعية طفل إلا من أناس متسلطين يبغون تغييب الإنسان وذكائه.

باتت الإدمانات اليومية تهدد حياة الإنسان العادي وتشل اسلوب تفكيره وتعطل إرادة القرار اليومي لديه، بسبب تبعية دماغ الإنسان لإتجاهات أو ألعاب أو تعلـّقات متعددة موجودة في حياته. أصبح الإنسان تابعًا سلبيا للمشهد العام في المجتمع لأنه سُلب إمكانية التعبير عن رأيه وحتى تمييز القرار معطل بسبب كل الأدوات الموجودة اليومية التي تقرر بدلا من الإنسان وتجعله يغرق ما بين الحقيقة والوهم، فتعددت الأوهام وضاعت الحقيقة في غياهب التبعيات الحديثة.

الصراع الموجود حاليا على الساحة هو ما بين جيلين، جيل قديم يعتمد على الذاكرة السمعية واستقراء أحداث الحياة والخبرات السابقة كي يحلل ويستوضح ويقرر ما هو خير الإنسان، وجيل آخر يتكئ على الذاكرة البصرية ويحاول إيضاح ملابسات الحياة عبر ملايين من المعلومات التي تتهالك على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة كي يختار الأفضل لحياته. فعلا أن لكل جيل تحدياته ومصاعبه وهمومه، وهو يواجه بأسلوب يختلف عن الجيل الذي سبقه الأسئلة المصيرية التي تطرح عليه.

الدماغ المتخم

إن التشتت في الفكر والذاكرة هما من أبرز عوامل الحضارة القائمة التي أنتجت أمراضا متعددة مثل الثقوب السوداء في الذاكرة أو الزهايمر أو مرض التوحد، فكلما زادت تعقيدات الحياة وتنوعت زادت هشاشة الإنسان النفسية والجسدية. قامت جهات عدة بإبراز موضوع تطوير القدرات الذاتية والمهارات العلائقية علامة على تحسين الإتصال بين الجماعات والأفراد. فما كان الإنسان يعيشه شيئا طبيعيا في بيئته أصبح لزاما عليه أن يتعلمه عن طريق دورات لتطوير تلك الطبائع المنسية لديه، مثل التغلب على الخجل أو التردد أو كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر فيهم، أو فن القيادة، أو الأنياغرام (الذي يتحدث عن تسع شخصيات تشمل كل الشخصيات الإنسانية بنفسياتها المختلفة) وغيرها من المحاور المهارية.

المعنى المتغرب

كل هذا ساعد الإنسان المعاصر في تطوير قدراته والتعرف على ذاته مما أعطى له طمأنينة للعيش بانسجام مع عائلته ومحيطه وعمله. لكن بقي فراغ الفكر هو الأكثر عمقا لديه، لأنه وليد طريق طويل في التكوين والتطور والخبرة والتحليل. لماذا؟ لأن الإنسان أصبح تابعا لماكنة العمل الروتينية التي تطلب منه إنتاجا وليس فكرا وهي تجعله منهك القوى غير قادر على إصدار القرار، يريد فقط تمشية حياة عائلته وتكملة الوقت بإتمام ما هو مطلوب منه (إيصال الأطفال للمدرسة، التسوق للبيت، إملاء استمارات الضرائب، إلخ)، أي الإنهماك في أمور جوهرية لكنها ليست كذلك. أعني بذلك غياب المعنى من الحياة التي صارت تراكضا محموما من عدم المعنى.

يحمل المعنى الرجاء لدى الإنسان. إذ يعاش هوية وحرية ومخيلة إبداعية. لا يمكن للمعنى أن يكون ايديولوجيا وإلا أفرغ من معناه، بل ينكشف في أماكن الرغبة والحرمان والولادات العسيرة لشعوب مظلومة. وبناحية استثنائية، يولد المعنى في “العطاء” الذي يحتوي في آن معا على المجانية والنعمة (مت 10/8). نحن بدورنا نعيش من العطاء: فكرنا، خبرتنا، حياتنا، محيطنا وهويتنا تأتي من الآخرين. نحن نـعيش الحياة “عطية” مجانية سبقتنا وستسبق غيرنا من الأجيال.

بيد أن المجتمعات الاستهلاكية التي يبنيها الإنسان باتت تنتج أناسا سلبيين، ميالين إلى الفردانية وإلى العزلة الاجتماعية. فعبرنا من مجتمعات إنتاجية، حيث يعمل الناس في المصانع والمعامل إلى عالم شركات الاتصالات والكومبيوترات، وإلى المولات والمقاهي، حيث توفرت المادة، لكنها لم توفر المعنى والعطاء. لم يعد البناء والعمل والواجب من خواص مجتمعنا، بل الاستهلاك وقضاء الوقت والحرية هي من مميزات المجتمع الجديد.

الأنهر الفكرية

الدماغ عالم لوحده. لا يوجد للعقل حدود، بل هو غني بآلاف الأنهر من المخيلة والمعارف والآداب والعلوم ويتطلع في كل لحظة لاكتشاف الجديد في الحياة. يتألف الدماغ من نحو مئة مليار خلية عصبية، وهو بذلك يضاهي عدد نجوم مجرتنا درب التبانة. يقود العقل الإنسان إلى الإدراك والتأويل وأخذ القرارات، وهذه مسؤولية حياتية ومصيرية مهمة إذ يتميز بقابلية الضمير والإحساس بالعدالة، ما يؤدي إلى التمييز ما بين الخير والشر، ما بين الجميل والقبيح. باختصار، العقل هو مكان حرية الإنسان الحقة ولا يستطيع أحد أن يسلبه هذا الحق وهذه الملكة. فأمسى العقل مكان إعطاء المعنى للحياة. وهنا يجب الإشارة إلى كلمتي العطاء والمعنى اللتين تنبعان أيضا من الإنسان لأنه يميز ما بين الصالح والطالح ويمكـَّنه من قراءة ما وراء الأحداث والأشياء. فنجد إمكانيات ضخمة لدى الإنسان العلمي لخدمة أخيه الإنسان من خلال الاكتشافات والاختراعات وتطويع المادة والآلة لتطوير القابليات في مجال تقدم البلدان، لا بل الأمم جميعها. هكذا شهدنا بلدانا تخرج من الشرنقة بفضل أبنائها، مثل سنغافورة وماليزيا وجنوب أفريقيا والإمارات.

“الإنسانية الكسولة”

ربما يعتقد البعض بأن الإفتتاحية تنتقد نوعا من الناس الكسولين، الذين لا يعملون وينتقدون الآخرين، والذين لا يحركون ساكنا بينما يغرق المجتمع في الأزمات واللامعنى.

لكن هذا ليس هدفنا، بل يكمن المعنى في إعطاء المكان اللازم للعقل كي يأخذ شراكته الحقيقية في بناء الحرية والعطاء. فما يحدث في بلدنا هو مثال لأزمتي الفكر واللامعنى، واللتين شملتا أيضا الشتات العراقي في العالم. لقد أصبح حرمان البلد من الكفاءة والفكر هو حرمان العراق من البنى التحتية الحقيقية كي لا يتحرر أبدا من كل سجونه ومشاكله التي باتت الغذاء اليومي لكل الشعب.

لا يمكن لـ “الإنسانية الكسولة” أن تفيق من سباتها إلا من خلال أبنائها. فتخدير الفكر، كي لا يقرر ولا يكتب ولا يترجم ولا يقرأ، هو افتعال عراق مغيّب الروح، بينما أولى الكتابات في العالم كانت ألواحًا سومرية، وقوانينا بابلية، وأولى الاختراعات كانت عجلة مدورة آشورية، ورقم “صفر” بابلي حمل إبداع الرياضيات للعالم. ربما هو كلام عن ماض قد زال ولن يعود! لكن الإيمان بيقظة الشعوب متاح، وباستلهام الماضي حافزا للعقل والفكر والابداع هو ما يمكن أن ندعوه هبة “المعنى” من الأجداد. هكذا شعب العراق مدعو بكل أطيافه، لنفض الغبار عن كاهله كي يرفض الإدمان والتبعية ويذهب في طريق البحث عن الحقيقة التي تعطيه معنى للعيش. ربما قد خرّب فساد اللامعنى قلب أجيالنا الحالية وباتت يائسة من الإصلاح والبناء، لكن هذا لا يعني أن تكون له الكلمة الأخيرة، لا بدّ للخير أن يعمّ ويحب أطفالنا بلدهم ويعملون من أجله ويعطون له المعنى: “لأن لأمثال هؤلاء ملكوتَ الله” (لو18/16).

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*