الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / تعلّم فن الحياة (افتتاحية العدد 493-494)

تعلّم فن الحياة (افتتاحية العدد 493-494)

افتتاحية العدد 493-494رئيس التحرير
يقول المفكر ميشال دو مونتنيه (1533-1592) في بداية مؤلفه “المحاولات” عبارة: “ولدنا كي نعمل”، أي نحن نلتزم بالحياة وبمسؤوليتها عن طريق العمل والتأثير في الواقع كي يُنحت ويحوّل إلى معنى ووجود، وهذا يتطلب إبداعًا وقناعة، لأن الإنسان بحاجة فعلا إلى نشاط وعمل كي يشعر بالانتماء إلى ذاته وإلى محيطه، فالكسل وعدم العمل يجعله سلبيًا تجاه الحياة ويتملكه شعور بعدم القدرة على إكمال الذات، فلا يكون قادرًا على الازدهار وتحقيق إنسانيته بكل غناها. فالعمل والتفاعل مع الواقع ضروريان لصحة كيان الإنسان وعلاقاته الاجتماعية.
بصورة أخرى، توازن الإنسان وتطور كيانه يتجلى من عمله وفاعليته وجوابه عن معنى الحياة. لكن لا ينحصر العمل على كسب العيش والحصول على المادة، وإنما يدخل في سياق كيان الإنسان الداخلي، فهو بعمله يروّض العالم ويتصالح مع ما هو غريب فيه. فكلما طوّرنا الواقع اليوم نحو الأفضل والأعمق نكون قد استفدنا من “الوقت” المتاح لنا بالحياة وشاركنا في عمل الخلقة والإبداع. ولهذا فإن المتعة الوحيدة في العالم هي العمل. وليس المقصود هنا عبادة العمل، أو العمل الإجباري، بل العمل الحر، المحب الذي يعطي قدرة على الأشياء وبث الحياة والروح في المادة.
قام الفنان والراهب مايكل آنجلو، مع فنانين آخرين، برسم جداريات وسقف كنيسة “سيكستينا”، برعاية البابا يوليوس الثاني (بين 1508-1512). وقد اعتقد آنجلو أن ما عمله خدم البابا وحده، إلا أنه يعد اليوم من أعظم الإنجازات الفنية في العالم إذ يزوره أكثر من عشرة الآف شخص يوميًا. هكذا يمسي عمل الحياة فنًا في حد ذاته، إذ يصبح كل واحد فنانًا بأسلوب عمله وتأثيره في محيطه. فالفنان يعلن وجوده من خلال نحته أو رسمه أو آلته الموسيقية، والشاعر يخرج الحقيقة من أعماقه، من رمزية وقوة الحياة في كلماته الخلاقة، وكذلك الكاتب في مؤلفاته والمهندس في أبنيته، والمعلم في تدريسه، فالكل ينقل خبرة فن الحياة للآخرين، بمهارة وحرفيّة، بدقة التفاصيل وبحب الحياة. فتدب الحياة في المتعلم والمتلقي والمبتدئ في فن الحياة بالتأثير في العالم والواقع اليومي، ليصبح بدوره أستاذًا ينقل فن الحياة لتلاميذه. وبهذا المعنى يكتسب المتعلم إزدهارًا روحيًا من خلال العمل، لا بل تكون له خصوبة روحية وإبداع في الحياة وفي الميادين كلها لأنه قد أحبّ الحياة وما فيها ويريد أن يضع بَصمتَه على معناها، فتصبح الحياة فرحًا حقيقيًا بالرغم من مآسيها، لأن الفرح ليس حالة نعيشها وتمضي، بل هو كيان نسكن فيه.

***

الحياة فن لا يمكن امتلاكه، بل هو يعيش في الكيان. فالحياة رسالة تُعاش وتعطى للآخرين، وبذلك تصبح الحياة صيرورة لكل إنسان تلمسه وتؤثر فيه. وعليه، يمكن القول بأن الحياة صداقة تبادلية وعدم امتلاك. فبقدر ما نعطي الحياة ونجعلها تخرج منا بأبهى صورة، بقدر ما يكون لنا كيان أعمق ووجود مكثف. هكذا تصبح الحياة “مَـلـَكة” في الكيان، ولا أعني إمتلاكًا ماديًا أو أنانيًا، بل فصحًا وعبورًا، فالإنسان في مسيرة نحو أرض الميعاد وبحث مستمر عن الله، والحياة ليست ملكي، وإنما هي كياني الذي أتبادله مع الآخر: طوبى للذي يفهم معنى وجوده في وجود الآخرين.

***

يذكر الأب اليسوعي أنطونيو دي ميلو (1931-1987) في كتابه “Taking Flight”، قصة أستاذة سألت طلابها: “هل يمكنكم ذكر شيء مهم لم يكن موجودًا قبل خمسين سنة؟”، فأجاب أحد الطلبة: نعم “أنا!”. حقًا، إن كل شخص هو فريد ومميز في شخصيته وأرائه وطريقة تفكيره، حتى لدى التوائم يوجد فرق في التفكير والاختيارات وتذوق الأشياء والأحداث، ولهذا يمكن القول بأن الإنسان، في فرادته، هو أعجوبة الكون، واختلافه عن الحيوانات والنباتات لهو إبداع في حد ذاته. بيد أن كل شخص يحقق ذاته بطريقة مختلفة، وبحسب الحضارة واللغة والبيئة التي عاش ويعيش فيها. فهناك أوطان، جديدة في منشئها، لكنها مبدعة في روحها وطريقة رؤيتها للحياة، فتدفع مواطنيها إلى المخيلة المبدعة في تفاصيل الواقع اليومي كلها. بينما في أوطان موغلة في القدم والحضارة صارت عاجزة عن الإبداع بسبب التشبث بالماضي وبأمجاد حضارة البلد السابقة، فأصبحت عالة على المجتمعات والدول الأخرى في ميادين الحياة كلها. إن القابلية على الإبداع تكمن في استلهام دروس الماضي – بدون التعبد له – وتوظيفها لحاجة الحاضر ورغبة المستقبل.

***

إن الحاجة والرغبة هما محركا المجتمعات والأفراد المبدعين، لكن يجب التمييز بينهما في ديناميكية الحياة. فالحاجة ضرورة في المجتمع ومن خلالها تتحد الأيادي كي تجيب عن النقص الأساسي الموجود في المجتمع، وهي تخلق أبطالا ومدافعين عن الحقوق، ومناضلين في سبيل تحرير كل مظلوم في المجتمع. لكن يمكن أن تكون الحاجة غريزية أو استهلاكية أو طاغية تسهم في تسلط فئة على فئات أخرى في الحياة، وتمسي الحاجة إمكانية وصول إلى السلطة ومنافعها. وتتغير الأمور عندما تأتي الرغبة، فهي تعني نزول الإنسان إلى أعماق ذاته حيث توجد الحقيقة ليخرجها من أعماقه، فتكون هناك وحدة ما بين داخل الإنسان وخارجه، بدون ازدواجية أو مراءآة، في تناغم حقيقي مع البيئة والحياة. فتنمو الرغبة مزيلة العواطف الزائفة فتنضج المشاعر والأخلاق والعلاقات. هكذا تدخل الرغبة في مبدأ العلاقة مع الآخر وكيفية خدمته على أحسن وجه.
إن الرغبة في الحياة تجعلنا ننفتح على حب الحياة والعمل والآخر، وهنا تتخطى الرغبة حاجز الحاجة التي تتمحور على الذات، لتكون السكنى في بيت الآخر. إذن الرغبة خروج دائمي من الذات نحو الآخر، ويكون الإبداع عندما تتفجر الإمكانيات والقدرات في سبيل خدمة الآخر وفرحه. إن الرغبة والإبداع يتعاضدان من أجل فرح الآخر، وهذا هو معنى الحياة.
هذا ليس معناه أن أغيّب كل إرادتي ورغبتي كي تكون فقط لرغبة الآخر، لكن يعني أن أتواصل في إبداعي من أجل القفز إلى رغبة الآخر، فاجتاز الأنانية إلى العطاء الذكي. إن رغبة الحب هي الخروج من السذاجة الصبيانية إلى بلوغ قامة ذكاء المشاعر التي تعطي قابلية على الإبداع والتفنن في الحياة. هكذا يصبح العمل من أجل الآخر إبداعًا في المعنى والفن. يخضع العمل لقوانين وساعات عمل طوال وإلى التزام وتقييد بالحركات، إلا أنه يساهم في حيويته على تحرير الإنسان من أنانيته ومن قيوده، فيصبح العمل مخيلة مبدعة لخير الآخرين، وتتجلى المخيلة، كما يصفها اللاهوتي أدولف كيشي (1928-2003): “عيدًا للمعنى” في قلب الإنسان يفتح له دروبًا لامتناهية من فنون حب الحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*