الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / حقوق المرأة بين الخيال والانحراف!، إفتتاحيّة العدد 535-536

حقوق المرأة بين الخيال والانحراف!، إفتتاحيّة العدد 535-536

حقوق المرأة بين الخيال والانحراف!، إفتتاحيّة العدد 535-536

نائب رئيس التحرير، الأب د. هاني بيوس

أدانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (HRW) في 18 أيار 2018، اعتقال سبعة ناشطين في السعودية في مجال حقوق المرأة من بينهم ثلاث نساء سعوديات قمن

بحملات من أجل إنهاء نظام “الوصاية” الذي لا يزال ساري المفعول في المملكة العربية السعودية.

حيرة وتناقض!

ولكن هذا لا يضع متتبع الأحداث في حيرة من التعدي على حقوق المرأة – الذي ليس غريبا عن هذه المجتمعات- بل من التناقض الذي يسيرها. ففي 25 أكتوبر 2017، منحت السعودية إنسانا آليا إسمه “صوفيا” (Sophia) ولأول مرة من نوعها الجنسية السعودية. جاء هذا الإعلان في قمة الاستثمار المستقبلي التي عقدت في الفترة من 24 إلى 26 أكتوبر في الرياض. يبدو أن هذا المواطن الجديد وهو امرأة، قادر على أن يقنع البشر بشكل جيد، ويعبر عن مشاعر معقدة مع الوجه، بل ينتج بعض الصفات المدهشة من الفكاهة… والأكثر إثارة للدهشة كان بالنسبة لبعض المراقبين الذين تهكموا بسبب تمتع صوفيا ببعض الحقوق الإضافية على زميلاتها من النساء السعوديات؛ إذ يمكن أن تظهر في العلن دون ارتداء الحجاب الكامل وبدون وصي يمشي معها. وهذا يعد سابقة في مجال حقوق الإنسان ولا سيما في حقوق المرأة! وليس هذا التناقض الصارخ في تركيبة المجتمعات العربية وحصرًا السعودية إلا “نقطة” من وعاء ما يزال ينضح بالكثير من اللامساواة لا فقط مع المرأة ولكن العديد من حقوق الأشخاص ومنها حقوق “الأقليات” في البلدان العربية.

لكن الإشكالية التي نسعى إلى طرحها هنا تتمحور حول هذا التساؤل: كيف كان تفهُّم أغلبية مجتمعاتنا لفكرة التقنية والتطور وهل يمكن للآلات أن تحل محل البشر وتتمتع بالحقوق نفسها، لا بل أكثر من البشر أنفسهم؟ يبدو “نعم” لأنه حدث فعلا وفي بلد عربي!

يثير هذا الموقف السعودي تساؤلات بشأن حقوق المرأة في الشرق وبخاصة في المجتمعات العربية. إذ يبدو أنه يعكس “عجزًا” تجاه تحديد مسألة المرأة ومكانتها في مجتمعاتنا العربية. ليست الغاية هنا الكلام عن فكرة “ساذجة” لدور المرأة في المجتمع وجعلها “مساوية” للرجل لتفقد المرأة هويتها وانوثتها و”تصبح” مثل الرجل، فهذا أيضا تشويه لهويتها. لكن عندما تمنح دولة عربية المواطنة -التي هي حصر على البشر- لآلة، ألا يترجم موقف السعودية لآلة، عجزًا في التعامل مع “المرأة الحقيقية”، و”تهربًا” من شوكة في خاصرة مجتمع سعودي يمكن أن يكون صورة لمجتمعاتنا أيضا؟

عجز وتهرب

يبدو أن كلا السببين: “عجز” “وتهرب” يمكن أن يكونا وراء ضبابية تحديد مكانة المرأة لكونهما مرتبطين ببعضهما ويكمل أحدهما الآخر. إن استعمال إنسان آلي ومنحه حقوق بشر، لا يملكون هم أنفسهم حتى الحق بالمطالبة بها، أمر ليس من واقع الصدفة بل يخفي شيئا أو مأزقا أعمق. وكما يقول المثل: “لا دخان بدون نار”. إذ هناك رغبة عميقة بين طيات مجتمعاتنا العربية في التغير لكن هل كل تغير يمثل تغييرًا، او بالأحرى نحو الأفضل؟ ليس هذا أمرًا مؤكدا. لقد استعان “النهضويون العرب في أواخر القرن التاسع عشر بمفهوم “المراوحة” والمراوغة الفكرية لكي يسايروا عجزهم في تغيير المجتمعات العربية آنذاك. كان هدفهم ينصب في النهوض بالمجتمعات العربية ولكنهم اصطدموا بحائط التقاليد الاجتماعية والدينية. فكانوا يتهربون من الإقرار بمرض مجتمعاتنا وحتى إدانة “العمى” الذي كان يغشى بصيرة تقاليدهم! فبقوا يدورون حول المشكلة بدون التنويه بشكل مباشر إلى أساس المشكلة.

المرأة التي يريدها المجتمع العربي

وها إننا في القرن الواحد والعشرين، والسعودية تعيد الكرّة وتستعمل “التكتيك” ذاته: “اللف والدوران” والخوف من لفظ ما يحلمون به. فبدلا من أن تتعامل مع موضوع المرأة بوضوح وبشكل مباشر عن طريق الحوار مع المرأة والاصغاء إليها. نرى المجتمع السعودي يتهرب منها فيحلم بصورة أخرى عن المرأة: ترى ما عسى أن تكون طبيعة تلك المرأة التي يريدونها في مجتمعهم؟ من الواضح مع الروبوت صوفيا – وإن كانت تتكلم- فهي ماكينة لا بشر. فهم يحلمون إذن بإمراة لا تفكر ولا تحاور ولا تتفوه بشيء. وهذا يشكل إحدى أهم صفات مجتمعات أحادية الفكر حيث الحوار غائب كونه يشكل خطرًا على المجتمع وحيث التقاليد تغلق الباب أمام كل مبادرة. فالمأزق من مجابهة الاقرار بمكانة المرأة يحدث تحت غطاء الرفع من مكانة البلد تقنيًا حيث يأتي “التقدم” كقناع لمجتمع يعرف ما عليه أن يعمل لكنه عاجز… ولرب ساخر يقول: لكن هل أن “المجنسة” الجديدة صوفيا ستقبل أن تبقى باقي النساء في المجتمع السعودي تحت عبودية تقييدات التقليد وغيرها من التقييدات؟ إنه أمر يثير الدهشة والحيرة لا بل التهكم.

التقدم أم الإنسان؟ معادلة خاسرة

هل بالإمكان فهم التقدم بهذه الطريقة، أي، على حساب البشر؟ بالطبع لا. فليس هذا بتقدم لكن طغيان فئة من البشر قد التحمت بنشوة الانبهار أمام التقنية التي ستكون لا محالة فتاكةً للضعفاء في تلك المجتمعات. هناك بعد أخلاقي يدخل ضمن تركيبية مفهوم التقدم ذاته، فحتى فلاسفة ملحدين من الذين طرحوا فكرة العلم والتقدم كالفرنسي أوغست كونت (1798-1857) كانوا قد أدخلوا “علم الأخلاق” ضمن تركيبة الرقي العلمي. فهذا من شأنه أن يحافظ على البشر ويبقي على إنسانيتهم من أخطار الوقوع في تجريبية العلم فقط. فجعل الإنسان “أرفع قيمة” مجتمعية، يشكل صلب “شرعة حقوق الانسان” (الذي لا تقر به دول مثل السعودية). فمن يقر بالعلم لكنه ينكر، في الوقت عينه، أبسط الحقوق على شريحة من البشر، فلا بد أن يناقض نفسه: فهو إما على دراية بازدواجيته- وهذا الإحتمال هو الأقوى- أو عن جهل مطبق فيرى “التقدم” من زاوية واحدة وضيقة لا كمرتبط وبشكل وثيق بحقوق الإنسان لأن غاية العلم والتقنية تكمن في خدمة الإنسانية. هكذا فهناك بعد أخلاقي يفرض نفسه.

لا تقاس المجتمعات بتطورها ماديا لكن بثقافة شعوبها. ينبغي أن يسبق بناء الإنسان البناء التقني لا العكس. وبناء الإنسان يعني مساعدته في تحرير طاقاته ليكون مبدعا عن طريق الإقرار بحريته كإنسان. فالحلم بمجتمع متقدم بدون الإنسان هو كالنزول إلى قاع المحيط-المجتمع بدون أجهزة التنفس حيث لا حياة. سيكون الموت مصير هكذا مجتمع. ينبغي التساؤل عن جدوى التقنية كل مرة يحدث إلتباس أو تناقض مع قيمة مجتمعية أساسية كالإنسان. فالتقنية أشبه بانتحار إن لم تكن مبنية على الحكمة: الإنسان قبل كل شيء وفوق كل اعتبار. “فلن يكون هناك معنى للتقدم طالما هناك أطفال تعساء” (ألبرت اينشتاين).

خاتمة

من يسعى إلى بناء مستقبله، عليه أن ينطلق من حاضره، وبالذات من إنسانه الحالي، لا أن يبني مستقبله على حلم لاإنساني. فمن يبني على اللاإنساني لن يجني سوى اللاإنساني. إن رفض الحقوق على المرأة هو رفض لإنسانيتنا، وهذا سيبقي مجتمعاتنا في تخبط باحث عن الهوية طالما هي باقية في إصرارها على عدم التعامل مع الإنسان بطريقة صحيحة. فالخطأ لا ينتج إلا الخطأ. ولا يمكن حل مشكلة بأخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*