الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / خطيئته الأصلية كونه مسيحيًا مشرقيًا!، إفتتاحيّة العدد 515-116

خطيئته الأصلية كونه مسيحيًا مشرقيًا!، إفتتاحيّة العدد 515-116

خطيئته الأصلية كونه مسيحيًا مشرقيًا!، إفتتاحيّة العدد 515-116صورة الغلاف الثاني الافتاحية

نائب رئيس التحرير الأب د. هاني بيوس

قبل عقد من الزمان، وقعت حادثة في إحدى القرى المسيحية حين تجاوز أحد الشباب من غير المسيحيين -من إحدى القرى المجاورة- نقطة تفتيش عند مدخل المدينة. فحدث إطلاق نار، سبقته تحذيرات، أطلقها الشاب المسيحي وأردى المتجاوز قتيلا. كان هذا الشاب يتصرف ضمن قانون الجيش. لكنه حوكم بقسوة – وإن كان فعل القتل غير مبرر- ولم يستطع أحد مساعدته ولا حتى الأحزاب المسيحية، لذا وجب عليه تحمّل معاناة عزلة السجن المؤبد! فوقع ضحية غياب قانون غامر بحياته ليحترمه. تُظهر الحادثة معاناة المسيحي وحيرته كونه لا يعرف، إن كان عليه الإنخراط في سياسة البلد أم أن هناك فعلا خطًا أحمر عليه ألا يتجاوزه؟ حيرة! تذكرنا هذه الواقعة بعبارة شخص حرّكت شجونًا ومرارةً عندما قال: “لهو شبه المستحيل أن يكون المرء مسيحيًا في الشرق!” لقد أعادتنا هذه الكلمات إلى ذاكرة المسيحية المؤلمة في الشرق العربي، عندما أيقظتنا من لاوعي حلم كنا غائصين فيه مفاده: “كل شيء على ما يرام”، وأن العنف لم ولن يلمسنا. من كان يتصور أن ما كان يقرأه في كتب التاريخ عن إضطهاد المسيحية يمكنه أن يكون هو، فيما بعد، جزءا منه؟! إذ كان يتصور أن صفحة سوداء من تاريخ الإنسانية قد ولت وبلا رجعة. لكن للأسف، لم تغلق صفحة الألم، ولن تغلق…

هناك الكثير من الإشارات التي تؤكد للأسف الشديد، هذه الحقيقة: كان المسيحيون الشرقيون قديمًا تحت رحمة نزاع بين الأباطرة الفرس والبيزنطيين. ومع مجيء الإسلام، أصبحوا في خضم صراع محتدم بين ملوك الغرب المسيحيين والإسلام. اليوم، تتكرر الحال، إذ يجدون أنفسهم وسط صدام بين سياسات الغرب وغليان المجتمعات العربية الداخلي. فاتهمهم العرب أنهم “خونة-متعاونون” مع الغرب. فما السبيل إلى كسر هذه الفكرة الخاطئة؟ إنها أشبه “بخطيئة أصلية” ورثها مسيحيو الشرق والعراق بشكل خاص؟ هل الدخول في الصراع المسلح هو الحل؟

فصائل مسيحية مسلحة!

إرتفعت أصوات تطالب بتسليح الشباب المسيحي للمشاركة في تحرير بلدات سهل نينوى. يبدو الأمر منطقيًا عندما تتعلق المسألة بالدفاع عن ممتلكاتنا (وليس الإنجيل مناهضًا لهكذا فكرة). لكن يبقى تساؤل يبعث الحيرة والشك في نفوسنا ويعارض الوضوح الذي يطلبه روح الإنجيل (في كونه يطالب بالدفاع عن النفس إن كان هناك وضوح يضمن حياة الإنسان): ما هي الضمانات التي ستحمي هؤلاء الشباب من فِتَن “ما بعد داعش” وإشكاليات الثأر التي ستليها حتمًا؟

يعلم الكثيرون أن من ساند داعش وآزره، يقطن معظمهم قرى محاذية لقرى سهل نينوى المسيحية. ستكون ما بعد داعش فترة تصفية حسابات وسيقع أبرياء بسببها. لو لم تكن سلطة الدولة تنبع من العشائرية والفئوية، لكانت فكرة تسليح المسيحيين منطقية في ظل دولة ديمقراطية تحكمها سيادة قانون وجيش، على شاكلة باقي دول العالم وتتوجه نحو هدف واضح المعالم. لكن ما بال من يدافع عن فكرة التسليح حينما يتغافل أنه لا توجد هكذا دولة شرعية في البلد؟! من منا لا تمتلكه ريبة من مستقبل المنطقة ما بعد داعش وتخوّف من تداعياته؟

ألا يعلم الجميع أن كل خطوة “تحرير” لمنطقة أو مدينة خاضعة لمخطط وفكرة غامضة لا تصب بالضرورة ومباشرة في خدمة الشعب. هل اللجوء إلى العنف شيء منطقي وسط حرب غامضة لا يعرف الجندي البسيط إلى أين هو ذاهب ومن يخدم؟! فأقرب صديق يقاتل معنا يمكن أن ينقلب علينا في أي لحظة عندما يأخذ الصراع نبرة دينية. هل يجب زج شباب في محرقة لا نعرف نحن أين ستصل بهم وبنا؟ في ظل غياب هذه الرؤية الواضحة، أليس زج الشباب في هذا الغموض فكرًا إجراميًا ومن يدافع عنه كأنه يدفع بهم إلى الموت؟ والأغرب من ذلك أن من الذين يدافعون عن فكرة التسليح يقيم بعضهم خارج البلد ومنذ سنوات طوال!! من يعطي الحق لنفسه ليتلاعب بمصير شباب وحياتهم عندما يدلي بهكذا آراء؟ ألا نتعظ من دروس الماضي وبمن زُج بهم في أتون نار فكانت النتيجة كارثية…؟ (ومن وثق بفاعلية ما حدث في الماضي كي ينصف هؤلاء؟)

إننا نسعى إلى البناء حيث الأرضية لا فقط هشة، لكننا نجهل تمامًا ما نسير عليه. هشاشتها تظهر فيما نراه ونلمسه في ضعضعة البنية السياسية؛ هشة في عجز مفكريها وقصر رؤيتهم. أما فكرة البناء الحقيقية فتستند إلى “يوم بيوم” ولكن دعامتها الأساس صورة مستقبلية في العقول. سببت هذه الأرضية الهشة بأفكارها الغامضة والمحسوبية خوفًا لدى المسيحيين، على وجه الخصوص. جعلنا هذا الخوف من المستقبل نتساءل عن طبيعة إيماننا فأدخل الشك لدى الكثير من مؤمنينا: أنولد مسيحيين في هذا البلد كي نعيش في الألم والخوف وفي شبكة من خطوط حمراء علينا الحذر كل ثانية مخافة تجاوزها؟

حلم دولة قانون وعدالة…

لذا أصبح هاجس الهجرة يجول خاطر كل مسيحي. مرّ بالضبط قرن على إتفاقية سايكس-بيكو الفرنسية البريطانية (1916). أمل المسيحيون في بلاد ما بين النهرين الكثير من هذه الإتفاقية. لطالما أبقتهم يحلمون في بلد يعيشون فيه بكرامة ويمارسون دورهم “بناةً” في مجتمعهم. فولد العراق في عشرينيات القرن الماضي مع بلدان المنطقة. سعى المسيحيون إرساء دعائم مواطنة تحترم البلد وتقدس أرضه. مئة عام قد مرّت وبات حلمهم بالتمتع بمواطنة تكفل مستقبلهم، يذهب في مهب الريح ليضمحل في همّ النجاة في بحر من العنف.

كيف ننقذ المسيحية في العراق والشرق الأوسط؟ سؤالٌ طُرح كثيرًا لكن قلما أبدى المجتمع الدولي إهتمامه بإعطاء أجوبة واضحة. كانت إتفاقية سايكس-بيكو لربما حلا “جذريًا” لتلك الفترة. لكن الحال تغيّر وظهرت بوادر نهايات مفعول الإتفاقية. فالتساؤل يبقى: ما الذي يمكنه أن يبقي المسيحيين في بلدهم ويحافظ على إرثهم المشرقي؟

تقتضي المسألة حلا جذريًا يُبقي المسيحية في العراق. على الغرب تحديد موقفه تجاه مبادئه الإنسانية. لذا فمصير المسيحية في الشرق مرهون بنوايا الغرب. عليه أن يفهم أن ما يصون المسيحية في الشرق الأوسط والعراق مرهون بقدرته ونيته الحقيقية على إرساء دعائم “بلد” سمته الأساس الحفاظ على كرامة من يعيش على أرضه، ويقبل بإرساء أسس مواطنة صحيحة. هذا يطلبه المسيحيون: الإقرار بهم مواطنين، “لا على الورق فقط وفي الشعارات الرنّانة”.

أين الكنيسة في كل هذا؟

تبقى أمًا لكل مسيحي سواء بقي أم هاجر. لكن كأي أم عليها أن تساعد الجميع. من هذا المنطلق، عليها أن لا تقف في طريق من يريد المغادرة. ليس هذا الأمر مدعاة لموقف إزدواجي لكنه من صلب روح الإنجيل. وكما أسلفنا في مقال سابق، ليس الإيمان بالمسيح مرتبطًا بأرض لكن بجماعة حية ينعشها روحه أينما كانت. لكن للكنيسة مسؤولية عظيمة تاريخيًا وروحيًا في أن تحافظ على مؤمنيها وما يمتلكون. فالكثير من الأصوات تطالب الكنيسة ورؤساءها بإعداد طلب رسمي للهجرة أمام السلطات العراقية والدولية-وإن كان هذا شبه مستحيل في ظل غموض مواقف العراق والمجتمع الدولي- لكن لو فكرنا مليًا، يمكن لهكذا مطلب رسمي لسلطة الكنيسة أن يُفقد المسيحيين ما يملكون ويجرد حق المطالبة به، فيما بعد، عندما هاجر وترك كل شيء في البلد…

هنا يظهر دور المفكر المسيحي الملتزم عندما يلمس الحاجة إلى التفكير بعمق في هويته داخل مرحلة حرجة من وجوده وتاريخه. نحن بحاجة إلى مفكرين أو بالأحرى إلى أنبياء يقرأون ما يريده الله لنا في هذا الزمن الصعب ويلهموننا بأفكارهم المستوحاة مما كان يسميه المفكر الفرنسي غابرييل مارسيل بـ “الحكمة في المأساة”. هناك حكمة في المأساة والضيق أكثر منه في أوقات الرفاه. فمهمة مفكرينا عظيمة جدًا، لخطورة المرحلة الراهنة من تاريخ المسيحية في العراق.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*