الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / ديانة بلا ثقافة، إفتتاحية العدد 529-530

ديانة بلا ثقافة، إفتتاحية العدد 529-530

ديانة بلا ثقافة، إفتتاحية العدد 529-530

رئيس التحرير، الأب د. فيليب هرمز       

في عبارة مشهورة نسبت إلى المفكر الفرنسي أندريه مالرو يقول: “سيكون القرن 21 دينيا أو لا يكون” (لكنه صحح عبارته عام 1975: “لا أستبعد إمكانية تبلور حدث روحي في القرن الـ 21 على مستوى العالم”)، هذا ما أثبت حدوث بعد روحي في العالم بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي ومجيء العولمة والمواجهة التي بدأت مع الأديان بعد أحداث أيلول 2001.

ديانة تقويّة

لقد دخلت الديانة كندّ كبير ومنافس للعولمة وللثقافات الموجودة في العالم، فأصبح العالم أسودا وأبيضا، خيرا وشرا، ثنائيا بدون إمكانية حوار، إما الديانة أو الثقافة! وكأن الأديان تستطيع العيش بدون ثقافة أو على الأقل أن تحيا الديانة بدون لغة أو حضارة أو شعب معين! لا يمكن تخيل ديانة بدون أرضية حضارة أو ثقافة معينة وإلا تحولت إلى ديانة بدائية غيبية تغرف من الجهل مصادرها وتلقي بنوائبها وفشلها على الثقافة والعلم والفلسفة. بيد أن العالم شهد، بعد سقوط الإتحاد السوفييتي لأسباب أعتبرت إقتصادية- لكنها أيضا في الحقيقة أسباب روحية وإنسانية-، إنفتاحا على الديانات والإيمان. فقد حاولت الشيوعية طرد الروح القدس من الباب فرجع ودخل بيتها من النافذة. هكذا يمسي الروح جزءا من الهوية الإنسانية يعطيها بعدا متساميا في حياتها اليومية إذ يرفعها إلى الأعالي، كما تفعل الموسيقى والفنون والآداب والفلسفة وحتى العلم في بعض الأوجه. مع هذا، بدأت الديانة مصادمات مع هذه المحاور لتحدث حربا شعواء في العقول والأفكار والتربية والتوجهات الأخلاقية لدى الشعوب. ولهذا لن يحل السلاح حرب العولمة مع الأديان، بل يكمن الحل في إمكانية نشوب حوار حقيقي بين الديانة والحضارة.

ثقافة معارضة

هنا تراجعت الثقافة إلى موقف “المعارض” للديانة وكأنها إهانة لها في علمانية ووثنية الثقافة! صارت الثقافة ملجأ الخاطئين والعلمانيين والملحدين ولا يمكنها التدخل في نطاق القدسي والديني لئلا تدنسه فتمسي الديانة خاطئة. هذا ما نشهده عند بعض الجماعات المتشددة. لا مكان لحيز الثقافة في عالم المتدين الذي يعتبر كل مصادره دينية ومقدسة بحتة وإلهية المصدر. فبالنسبة إليهم، ما قدسه الله لا يدنسه الإنسان. في هذه الجملة مشكلة كبيرة لأن كل ما ليس الله في نظر “المتشدد” يأتي من الشر. بينما قدّس الله العالم عندما أرسل إليه كلمته وأنبياءه، واعطاه الأحداث والطبيعة والعلامات لتأمل وجوده في كل لحظة. إن الحدث الثقافي لا يتعارض مع وجود الله، بل هو مرتبط به من خلال كل ما هو روحي في العالم. فالأدب هو مكان تجلّ حقيقي لإبداع مخيلة الإنسان الذي يعطيه جزءا ولو صغيرا من القدسية الموجودة فيه لأننا خليقته. كل العلوم والفنون والآداب تعمل معًا في هارمونية العلاقة مع الله والإنسان والكون. كل شيء أو شخص أو إختراع يخدم الإنسان يخدم الله في الوقت عينه، والعكس صحيح. لا يمكن للثقافة أن تسكت حين يعلو صياح المتشددين وإلا مات العالم وكل ما فيه من قدسي في أحضان التشدد الأعمى. لهذا تقاوم الثقافة اليوم التيار الديني المتشدد كي تعطي مجالا للإنسان ليكتشف كيانه وإبداعه ومسؤوليته عن الخلقة أمام الله. إذا ماتت الثقافة مات الإنسان وماتت معه الديانة. حتى الفلسفة التي ترفضها الجماعات المتشددة تؤمن بقابلية الإنسان على التفكير والإبداع. وهذا ما يميز به الله الإنسان عن بقية المخلوقات.

عولمة متهجمة

بدأت العولمة تأخذ مكانها في ثمانينيات القرن الماضي معتمدة على سعة التبادل التجاري والتقنيات الإلكترونية ووسائل النقل والإتصالات، لكن إنتشارها الحقيقي بدأ في عقد التسعينيات حينما تفتت الإتحاد السوفييتي في بلدان أوربا الشرقية. ومع إنفتاح حدود الدول بين الشرق والغرب، بدأ العالم يأخذ منحى أحاديا بضغط من العولمة كي يكون الجميع في السلة نفسها وعلى وتيرة واحدة وإيقاع مشترك لا يجابهه أحد. حينها حدثت الصدمة بين العولمة والديانات! إذ بدأت الديانات تشكك في أخلاقيات العولمة وعدم وجود عدالة بين الدول الغنية والفقيرة وبإفلاس العالم الأحادي الذي جلبته العولمة أمام تنوع الثقافات والديانات.

حدث هذا الشرخ ما بين العولمة والديانات حينما صُعق العالم بأحداث أيلول 2001، واكتشف تأثير البعد الأخلاقي للحروب التي حدثت بعيدا عن الغرب، خصوصا في قارة آسيا. إن الهوية الجديدة التي جاءت بها العولمة لم تقبلها الشعوب والأديان، فانكفأت تبحث عن هويتها في مصادرها الأصلية، ألا وهي الديانة بعيدا عن كل تجارب الغرب والديكتاتوريات والأنظمة العسكرية. في عملية البحث هذه حدثت الهوّة بين عولمة تريد بسط سيطرتها على العالم، وأديان لا تقبل التبعية.

ضمن هذا السياق، في بداية الألفية الجديدة، هاجمت العولمة الكنيسة من خلال أفلام تسيء للمسيحية ورموزها، وكتاب “شفرة دافنشي” لـ دان براون الذي إتهم الكنيسة بالكذب على أتباعها منذ تأسيسها. وفكرة روايته أنه لا يأتي شيء أو شخص من السماء، بل كل شيء ملفق ويأتي من الأرض فقط أو من الكون، بمعنى آخر لا يوجد الله في عالمنا. وهنا أعلنت الحرب.

إنتهى زمن تصادم الحضارات الذي تحدث عنه صاموئيل هنتكتون بتصادم آخر كبير هو تصادم الديانة بالثقافة، الذي أنتج وما فتيء ينتج جيلا جديدا من المؤمنين يعتبر الديانة مصدر كل شيء حتى الثقافة والحضارة، ويرفض كل شيء خارج الديانة. إن رفض الإختلاف والتنوع الذي أنتجته العولمة أدى بالديانة كردة فعل إلى رفض العولمة والإختلاف، وهذا كان كارثيا على العالم من الجانبين.

فرق بين الديانة والإيمان

تحتاج الديانة إلى تنقية مساراتها بين الحين والآخر وإلا إنغلقت على ذاتها وعلى مؤسساتها الثقيلة والمتجمدة. يأتي الإيمان لينقذ الديانة من الإنكفاء على الذات ويخرجها إلى مسار الإنفتاح. بالتأكيد إن الإيمان جواب شخصي ومبدع على مبادرة الله في العلاقة، لكنه ينفتح على الحياة وعناصرها المتنوعة، فيصبح الجسر الذي يعبر عليه المؤمن بين ضفتي الله والإنسان. لا داعي للخوف من الحضارة واللغة والثقافة لأنهم يكملون الإنسان وطريقه في هذه الحياة، وإلا أصبح إنسانا مبتورا ينقصه دائما التوازن والخبرة. هكذا دخلت الديانة، من خلال التشدد، في أزمة خانقة رفضت فيه الحوار مع مكونات الحياة الأخرى، كما رفضت الشيوعية في السابق، قبول الديانة كإحدى مكونات الإنسان الأصيلة، فوقعت في حفرة حفرتها لغيرها.

إذن يعد الإيمان إمكانية حقيقية في الوجود للعبور نحو الآخر. الأزمة الحقيقية الناشبة اليوم بين عالمين مختلفين هي الأنانية بعدم قبول الآخر المختلف. الإيمان هو الخروج من الذات للقاء الآخر الذي نخاف منه لأنه يسرق هويتنا. كفى خوفا من الذي يهدد حياتنا، ربما هو يعطينا هويتنا الحقيقية لأنه يكشف كل مساوئنا! تكمن كل مغامرة الإيمان في القفز نحو الثقة بالآخر. هذا هو الحب والحياة والرجاء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*