الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / عصر الصور المتحركة (افتتاحية العدد 481-482)

عصر الصور المتحركة (افتتاحية العدد 481-482)

افتتاحية العدد 481-482رئيس التحرير
عندما كنت في السابعة من عمري، أخذني أقاربي إلى السينما، فأبهرتني الشاشة البيضاء، هذا المسطح النظيف الذي سرعان ما يمتلئ بصور وحركة، فينقل إليّ الدنيا. كنت أنبهر بهذه الحقيقة وبإمكانية هذه الشاشة في خلق الوهم لديّ، فأضحك وأحزن وأخاف مما يظهر عليها. وأصدّق كأن هذا هو الواقع أمام عينيّ وليس غيره.
لم يتوقف إبداع تقنيات التصوير، فانتقلت الصور من الأسود والأبيض إلى اللون ثم الصور المتحركة بل حتى ثلاثية الأبعاد. ومنذ بداية السينما دخلت الخدع السينمائية التي لها متحف في هوليوود بأمريكا، وللخدع عالم خاص أحدث تغييرات في زماننا بشكل جعلنا نختلف عن كل الحضارات السابقة. فقطعت أشواطًا في زمن قصير، لتصل أبعادًا ليس ميكانيكية والكترونية فحسب، بل رقمية، فلم نعد في حاجة إلى أرضيات ورقيّة أو بلاستكية كالكتب والأفلام، بل صارت رقمية لمسيّة tactile، وأصبحت الشاشات في كل شيء وعلى كل جهاز، ودخلت حياتنا نتعامل معها كل لحظة، بحيث صار الإدمان عليها مقلقا لتأثير ذلك في نفسيات الأجيال الصاعدة، وهذا ليس أمرًا هينًا، ولا نعلم بعد نتائجه وتأثيره فيهم.
في الماضي كان التقنين بالورق، فكانوا يأخذون مخطوطة قديمة يغسلونها ثم يكتبون نصًا جديدا عليها، واليوم يستطيع العلماء قراءة النص الممحي بل فصله وبذلك استرجعنا كنوزًا مفقودة. كذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، كان بعض منتجي الأفلام يضطرون إلى “غسل” الأفلام القديمة لإعادة استعمالها، مما أضاع أفلامًا لم نحتفظ بنسخ منها.
اليوم لم نعد نقتصد، فخلف كل شاشة لدينا كم هائل من إمكانية خزن للمعلومات نستطيع استرداداها في كل لحظة، كتبًا كانت أو أفلامًَا، لكن لهذه الكثرة والغزارة نتائج قد تكون عكسية، فزماننا الرقمي مليء بالمغالطات، بحيث لم يعد البعض يميّز بين ما هو حقيقي أو خيالي، فيصدّق بحجة أنه “رأى وسمع”، في حين هي مفبركة، وتسهم في ذلك قلة القراءة والمطالعة، ناهيك عما تخترعه شركات الدعاية لإغراء الناس كي تدفعها أن تشتري، لا نتعجب إذن أن يدخل الدين أيضًا حلبة المنافسة بكل هذه الوسائل الحديثة مما يجعل الدين سلعة يتبارى مروّجوها لكسب أكبر عدد من الأتباع عبر برامج تدغدغ مخيلة المتلقين.
إن الأخطر الذي في هذه الوسائل الرقمية الجديدة هو كيفية تعاملها مع المخيّلة التي هي أيضًا مثل تلك الشاشة البيضاء تعرض أوهاما، لكن ما يراه الواحد قد لا يراه الآخر، فنختلف ونتصارع. أليست أنواع الجدل السائد اليوم تشبه التي كانت سائدة قبل قرن بين الاشتراكيين والليبراليين؟ فإقحام الدين بواسطة هذه الوسائل الرقمية، قسّم الناس إلى العكس من الهدف الأساس من الدين الذي يوحّد، فيقدّم الدين بشكل سطحي ومجزأ لا يبني فكرًا أو لاهوتًا ولا يعلّم تفسيرًا وتحليلا، فأصبح الدين أداة لغسل الدماغ وإجبار الخصم على القبول، وإلا…!
إن فرض المعتقد هو من سمات المتعصب الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، لكن للأسف ليس لديه أي ركيزة للتأكد من حقيقته، فتجد الجميع يدور في حلقة مفرغة، وكم من برنامج ممل يفترش شاشات اليوم؟! إن من يتابع ويقارن بين برامجنا وبرامج دول أخرى مرّت في خضّات دينية شبيهة بما نحن فيه، سيفهم كيف اقتنعت بضرورة تجنب الصراع فحوّلته إلى مناظرات لتتفادى الحروب، فصارت برامجها أشبه بمطاعم “البوفيه” المفتوح، ينتقي كل واحد ما يعجبه. وهذا ما كان قد فهمه منذ القرن 17 أشهر سلاطين المغول الذين حكموا الهند “جلال الدين أكبر” (1556 – 1605) الذي أحاط نفسه بالكتاب والعلماء والفنانين والمترجمين، وبالرغم من أنه لم يهجر معتقداته الإسلامية، إلا أنه كان يستمتع بالمناظرات الدينية بين العلماء المسلمين والمسيحيين والهندوس. إنها الوسطية التي اقتنعت بها دول عديدة، فوضعت صمامات أمان عدّة. وكم تحتاج شعوبنا أن تدرسها لكي تصرّف الزائد لديها من مشاعر العداء وجنون التعالي التي تتغلغل في كل زمان ومكان ومجتمع ودين ومذهب، ألم يقل يسوع: “إن كنتم لا تتوبون فستهلكون كلكم”؟ (لو 13/3). لأن ما نعاني منه من صراعات ليس جديدًا، وهذا حدث مذ قام الدين، حين تصوّر الناس أنه أمر ثابت لا يتحرك وهذا تصوّر خاطئ، فجاءت هجمة الصور المتحركة لتزعزعنا، لكن لا ننسى أنها مجرد صور وهي دائمًا ناقصة. لقد شبّه أفلاطون البشر في معرفتهم بأناس جالسين في مغارة تنعكس على جدرانها خيالات وظلال من يقف في مدخلها، فيعتقدون أن تلك الظلال هي الحقيقة، والحال الظل ليس سوى انعكاس مشوّه لحقيقة تطول وتقصر وقد تختفي مع اختفاء الضياء، فصار البعض يخاف على هذا الظل، أو يضحك أو يبكي أو يتساءل… والحبل جرار، وهنا يسيطر المخرج والفنان على مخيلتنا، لكنها مجرد صور متحركة لا أكثر.
إن هذا السعي في محاولة فهم ما وراء الأفق اليوم يحصرنا (كما تحصرني صفحتا هذه الإفتتاحية)، فالأفق محدود كحياتنا، لكن علينا أن نكتشف أن هناك أناسًا آخرين مرّوا من هذا الطريق فاعتقدوا وآمنوا بصور أخرى مختلفة، أليس من واجبنا أن نتطلع على خبراتهم ونقارن أنفسنا بهم؟
تكلم يسوع على حاسّتَي البصر والسمع وقال: “سراج الجسد العين …”، ويختم كل أمثاله بالقول: “من له أذنان فليسمع”، أي يستدعي خبرتنا العادية والعملية لنرى ونسمع، لا ما نريد نحن بل الشيء الذي أخفاه الخالق ولم يره أحد قبلنا، كي نضيف إلى الواقع شيئا طاردين كل خوف ورقابة وآيديولوجية وممنوعات التعصب. المهم أن يبقى “جوع التعلم”، “فطوبى للجياع” فهؤلاء سينقذون العالم، لا بتحويل الحجارة إلى خبز (وهذا شيطاني) بل “لنأكل خبزنا (الحقيقة) بعرق جبيننا” فتنكشف ثمرة شغل سنوات، وهذا مفتاح كل سر، سيسمح أن نتحرر من أوهام زرعتها الصور المتحركة التي لم تفعل سوى زيادة القلق عندنا.
بعد فيضان الصور، يحدث الإشباع بل القرف، فما أكثر الذين يشتكون من تساقط الصور لديهم، فيقف البعض عاجزًا متعبًا (خصوصًا ممن هاجروا). لكن هذه المتغيرات لا تحدث في أولاده فقط بل فيه هو، فما عاشه في السنوات الماضية عبارة عن قصص وصور انطبعت فيه، أعقبتها صور أخرى فوق الأولى، فلم يعد يستطيع أن يقرأ ويحلل ما حدث، فيجبَر إما أن يخزن ويكرر الصور القديمة أو يعبر إلى صور أخرى جديدة، ومنهم من يضيع بين المسارين.
لقد تناول النفساني الألماني إريك إريكسون (1902 – 1994) في كتبه هذه المشكلة وأزمة هوية الأنا، فينصح بإعادة السيطرة على الحياة بجعلها طبيعية يسيرة، على الرغم من أن كل منا يعيشها بشكل مختلف، لكننا جميعا في حاجة إلى إطار سلس، فنتمكن من تحديد مرحلة العمر التي نحن فيها فنعيش كلا منها براحة، وننتقل بهدوء إلى المرحلة التالية، فيكون لدينا أزمنة استقرار، لكن على اختيارنا أن يكون حازمًا وسعينا إلى الهدف واضحًا، وخصوصًا أن نتعلم كيف نقول “لا”.
لكن، في المراحل المضطربة، كالتي نمرّ فيها، قد يميل البعض إلى تأجيل اتخاذ القرار، بانتظار أزمنة أفضل، ومن يفقد هذه القابلية لن يكون عنده قدرة على أن يعالج شيئًا ولا أن يجابه مشاكل أخرى تظهر، بل قد يضيع في التفاصيل، فيقول مثل كل الانتهازيين: “عصفور في اليد …”، لذا ما أكثر من يبقى يراوح في مكانه فلا يقرر شيئًا لبناء شخصيته ولا يستقر ولا يشتغل ولا يعقد صداقات ولا يبني أسرة ولا يشكل جماعة، بل يكتفي بالصور والمسلسلات، حتى تأتي أزمة منتصف العمر، وأغلبهم يعيشها بحيرة كأزمة شيطانية حتى يرفض أن يقر بها، فيتأخر لديه النضوج أي قبول أن تفقد الصورة جمالها، فالمرآة لا تكذب وعلينا أن نتخلى عن الصور القديمة.
ليس زمام الأمور في التبعيّة للصور الخيالية عن الله والإنسان، إنما بالإمساك بزمام الحياة والتخلص مما أغرقتنا فيه تكنولوجيا الأوهام، فما أحوجنا إلى العودة إلى التأمل والصوم من هذه الوسائل، وأقترح أن يصب صومنا هذه السنة من كل ما تنقله إلينا الشاشة لئلا يتحقق فينا قول اينشتاين: “أخاف اليوم الذي ستتفوّق فيه التكنولوجيا على البشرية، عندها سيقتصر العالم على جيل من الحمقى”!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*