الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / قـُبلة البابا فرنسيس (افتتاحية العدد 485-486)

قـُبلة البابا فرنسيس (افتتاحية العدد 485-486)

افتتاحية العدد 485-486رئيس التحرير
تناقلت وسائل الإعلام بكثرة صورة مؤثرة للبابا فرنسيس وهو يقبّل يد الخوري روفائيل قطيمي، بعد أن عرف البابا أنه أحد الناجين من مذبحة سيدة النجاة (31/ 10/ 2010)، فتعجّب الناس وتساءلوا، وعلق الكثيرون بإعطاء أجوبة أغلبها دار حول التواضع وما أجمله! إذ “كيف يقبّل البابا يد كاهنٍ بسيط؟”، وكأنهم يرتاحون، لأن هذا البابا غيّر الصورة النمطية التي لديهم بأن يكون الكبير كبيرًا والقوي مسيطرًا فقط…
بدا لي أن موضوع هذا الحدث يقع ضمن التساؤلات التي في حياتنا وهي نوعان: الأوّل علميّ، أي تساؤل عن أشياء العالم ومراتبه ودرجاته وعطلاته ومشاكله. والتساؤل الثاني فلسفي وديني عن معنى وجود هذا العالم ومعقوليته. والملاحظ أن أغلب الناس تقف عند النوع الأوّل ولا تعبر إلى الثاني لذا يبقون حائرين بلا جواب شاف.
في اعتقادي الجواب لا ينكشف سوى بقراءة أعمق وعبور من أوهام الإجابات السريعة الجاهزة، إلى المعنى الكامن في تساؤل الفلسفة الذي يلملم البعثرة التي فينا إلى الواحد، “فالحاجة إلى واحد!”، وحقيقة الكل هي واحدة، فأسرار الديانة لا تتناقض مع أسرار العالم بل بالعكس هي عبور من التساؤل الاوّل أي: “كيف صنع العالم؟”، إلى سؤال لاحق: “لماذا صنع العالم وما الغاية منه؟”.
كان الإنسان قديما مع الديانات الوثنية يكتفي بالجواب عن السؤال الأول، وينكشف من خلال أساطير عكست أوضاع الناس ومشاكلهم، ثم جاءت الفلسفة وحاولت استخراج الحكمة التي في الأشياء، فأصبحت عالمية شاملة، لكن مع ذلك بقيت سجينة في هذا العالم، بالرغم من أنها دعت إلى توازن الإنسان مع محيطه وتوازن المحيط مع الأنا لديه. لكن مفكرين شعروا بوجود نقصٍ بيننا وبين هذا العالم، فكل ما فيه لا يكفي لملء قلب الإنسان، المشكلة الكبرى إذن من يجيب عن السؤال الثاني؟ وكيف التحرّر من سجن العالم؟ هنا جاء التصوّف والروحانيات لمساعدة الفلسفة، فتسامى منذ القدم إلى أعلى وهذا ما لاحظه القديس بولس لدى أول زيارة له إلى اثينا (أع 17/23).
هكذا تبنّت المسيحية منذ بداية القرن الثاني مع القديس يوستينس النابلسي (حوالي 100 – 165) الفكر الفلسفي، بإدخالها أسلوب قطيعة مع قراءة الوثنية للعالم فألغت أساطيرها لتعبر بالإنسان نحو ما يشفيه ويخلصه من هذا الحيّز الذي كاد يخنقه، وتم ذلك عبر مراحل فكرية تدريجية.
لكي يتحقق توازن الإنسان مع محيطه، عليه أن يتجنب كل حنين إلى الماضي، كما كان الأمر مع كلكامش وبحثه عن الخلود أو مع أوليس اليوناني Ulisse العائد إلى وطنه إيثاكا…. فهذه القصص كانت تريح ملايين البشر سابقًا، ولا تزال آثارها تتردّد في جميع الإيديولوجيات القومية والدينية، التي تتبنى الحنين كفكر، لكن التوازن لن يحققه الحنين إلى بيت أو أرض، وللأسف هذا الحنين أستغل وحوّل إلى هياج وعنف ورغبة باستردادِ ما ضاع، وعودة إلى أشكال وهمية من فردوس مفقود. لقد تجاوزت المسيحية حنين الأرض ووجّهت الأنظار إلى “سماء جديدة وأرض جديدة” حقيقية هي في داخلنا. فعبادة الماضي بالحقيقة تعكس خوفًا من الموت، والرغبة بالعودة وهم مفاده أن هذا العالم هو دائم وأبدي، وهذه فكرة رفضتها المسيحية “فالسماء والارض ستزولان…”، لكن كلام المسيح باق.
إن تغلغل الأساطير وبقايا الفكر اليوناني حتى اليوم يبين أن كثيرين -حتى من المؤمنين- لم يهتدوا بعد إلى الجديد الذي في الإيمان، فيعتقدون بثبات العالم وكأنه يكفيهم ليكونوا سعداء، ليس لديهم هدف سوى هذا العالم، يريدون أن يصيروا جزءًا منه ومن أزليته بل يذوبون فيه، وهذا هو الموت الحقيقي: أن أصبح جزءًا من أشياء الكون، أي ليس هنالك أي فكرة للخلاص، بل الحياة هي مجرد تطابق مع “الحقيقة والواقع”، فأصير مثل صانع آلة العود يركب خشبات مع بعضها كي يخرج نغمةً ملائمة. أليس الإعتقاد بديمومة هذا العالم سبب قيام كل أشكال الدكتاتوريات التي عاصرنا وهي لا تختلف عن حكم الآلهة القديمة التي كانت تحدّد المصائر، كما قالت صاحبة الحانة لكلكامش الخائب في بحثه عن الخلود: “على الإنسان أن يأكل ويشرب وينجب ثم يموت!”. أي لا تفكر بل إقبل واخضع.
ثم جاءت العلوم النفسية والإجتماعية فانتقدت كل الأوهام والقدرية فقالت: الحكيم هو من ينتصر على مخاوفه فلا يقلق على صحته فحسب، ولكنه يصل إلى الغيرية فيقلق على من يحبّهم، فينضج ويخرج إلى حلقة أوسع، فلا يعود يخاف الموت بل ينساه لأنه لا بد منه، المهم هو تجنب القلق (مرض العصر)، لكن حتى هذه العلوم لم تنجح في حل المشكلة فالقلق أيضًا نوعان: قلق ممّا حدث في الماضي وقلق ممّا سيحدث في المستقبل. فإذا كان الماضي سعيدًا جرّنا الحنين إليه، وإذا كان الماضي تعيسًا جرفتنا انفعالات حزن وتعاسة وأشكال شعور بالذنب ونقص وندم. وهذه أسباب الكآبة التي يعاني منها الكثيرون.
يتفق المفكرون أنه على الرغم من انتشار المعلومات لكن زماننا يتميز بجهل جماهيري مخيف، شعوب بالكامل تعاني أشكال الجهل والتخلف والكسل والتقهقر والإحباط، وبسبب وجود هذا الفراغ ينشط أشكال معلمين ويتبارون فيدلي كل بدلوه بفتاوى دينية وصحية ودعائية ونصائح تدوّخ، وهذا سباق كالباحثين عن الذهب لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السريعة والرخيصة، وهذا سبب انتشار البدع التي بلا خجل تقول لك “غيّر تسعد!”: بيتك، بلدك، مذهبك، دينك، أو لون شعرك، بشَرتك، ملابسك، سيارتك، هاتفك، بل حتى قرينك…، المهم إهرب من المسؤولية “فالهزيمة نصف المرجلة”.
إعترف الفيلسوف الروماني (سنيكا) (4 ق.م -65): “أن كلا من الماضي والمستقبل يمنعاننا من الحياة في الحاضر”، فالماضي لم يعد له وجود والمستقبل ليس بعدُ. وأنا لا أنتمي إلى أيّ منهما، إنما أملك الحاضر فقط. لذا كل العواطف الحزينة و”البكاء على الأطلال” والحسرة هي وقوع في أشكال الوهم. الحكيم هو من يجابه هذا الحاضر: “ففي كل يوم من المتاعب ما يكفيه” (متى 6/34)، لذا ليست “المشاكل” هي المهمّة، بل التعامل مع الحاضر بقراءة ما فيه من إيجابية. ألم يقل يسوع: “تأملوا زنابق الحقل… تأملوا العصافير…” (متى 6/26- 28). أي أنظروا الأشياء التي أمامكم الآن وهنا، هذا هو سرّ الإيمان جاء في ملء الزمان بعد الأساطير والفلسفة وعلم النفس والاجتماع، كي يصبح “صخرة”: فالكلمة الدينية الأكثر انتشارا بكل لغات العالم هي كلمة “آمين”، أي “نعم للنعمة”.
ستتغير الحياة إذن عندما أجد المعنى في الموجود فأتخلص من حب السيطرة والتملك ونزعة التلذذ، فهذه هي سبب مصائبنا. وأغلب البشر بالرغم من ادعائهم الإيمان يبقون “توفيقيين” ويخلطون الدين بالأوهام والأساطير. لكن المؤمن يكتشف “أن ما يعتبره هذا العالم حكمة هو في نظر الله حماقة” (1 قور 3/19) أي أترك، وتخلّ واقبل ضياع الجزء أفضل من ضياع الكل “فخير لك أن تدخل ملكوت الله ولك عين واحدة من أن تكون لك عينان وترمى في جهنم” (مر 9/47). الإيمان يقول لك: كل هؤلاء الذين تضعهم الحياة في طريقك: أهلك، إخوتك، أولادك أصدقاؤك.. سيأتي يوم ستفارقهم، عليك إذن أن تتمتع الآن بوجودهم، أمسك بهذا اليوم وافرح إذ لن تعود تراه، حوّل الحاضر إلى طاقة للمستقبل وخبرة لرؤية حكيمة. فهذه “الأجساد” ستموت يومًا، لكنك قادر أن تقيّمها في المستقبل بالحب فقط، وهذه هي حقيقة الإنجيل لكن عالم المال والأعمال لا يفهمها. فالإيمان يوجه العقل إلى الكامن ويعطيني خبرة لتغيير النظرة على نفسي وعلى ماضيّ ومستقبلي. خلاص الإيمان إذن هو بالثقة بأن كلام المسيح يفتح الأعين فيقول “إيمانك خلصك”. فالله ليس في نظام الكون، ولا من الماضي ولا في المستقبل ولا هو جنة ولا فردوس، “الله محبة”، وبها نعرفه حاضرًا الآن من حولنا في أشياء خلقها لتذكرني به، فأحبها من أجله، لأنها حروف رسالة كتَبَها في العالم، حتى بأبسط الأمور كي تصير دهشة وصلاة وتسبيحًا. لذلك فإن قبلة البابا فرنسيس لهذه اليد تقول: “شكرا على سلامتك، يا أبونا روفائيل، لأنك عشتَ لتشهد أن المحبّة ستنتصر”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*