الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / لاهوت البيئة المتوازنة، إفتتاحيّة العدد 517-518

لاهوت البيئة المتوازنة، إفتتاحيّة العدد 517-518

لاهوت البيئة المتوازنة، إفتتاحيّة العدد 517-5182001077028

رئيس التحرير، الأب فيليب هرمز

أصدر البابا فرنسيس في العام الماضي رسالة حبرية عن “لاهوت البيئة” أكدّ فيها عناصر ومحاور تساعد الإنسان على العيش في تجانس مع بيئته المحيطة، من طبيعة ملائمة وصحية، وجوّ نقي وتصالح مع الأرض والسماء كي يكون هناك مجال للجميع في المعمورة. مما يؤدي إلى نبذ أنانية الحكومات وسياستها في احتكار ثروات الأرض، وعدم مقاسمتها مع الفقراء، وبحسب الاحصائيات يستفيد 20% من الأغنياء من منتجات الأرض والطاقة والمعادن، في حين يعيش 80% في حالة الفقر وليس لهم إلا القليل. ولهذا لم تعد مسألة محاربة الإحتباس الحراري تشتمل فقط على درء خطر ثاني أوكسيد الكاربون في الجو، بل محاربة جشع دول متقدمة في استغلال موارد الطبيعة، وفي الوقت عينه، ترمى وتدفن النفايات وخصوصا الناتجة عن الطاقة غير النظيفة، في الأرض والبحر مما يسبب هلاكا بطيئا للكائنات الحية على كوكبنا الأزرق. لذا حثت رسالة البابا على مواجهة هذا الخطر والتدهور في صحة الأرض والإنسان على حد سواء، من خلال التعاضد والعمل معـًا من أجل حياة أفضل للجميع. إن مسؤولية الانسان هي المحافظة على الأرض والحياة، لكنه جعل الأرض مريضة والحياة تموت بشكل بطيء بسبب  أهماله الكبير، خصوصا في النصف الثاني من القرن العشرين.

الأم تريزا قديسة في بيئة الفقراء

لدينا قديسة جديدة! إنها الأم تريزا، أم الفقراء والموجوعين. مثالها غريب في القرن العشرين، كونها ولدت في قرن يعتبر من أعنف القرون سفكا لدماء الإنسان، بينما كانت هي الأحرص على دم الإنسانية من خلال إيمانها وخدمتها، إذ كانت تعتبر الإنسان المجروح هو مسيح آخر على الصليب. لذلك، عندما تركت الدير وخرجت للمجتمع الهندي الفقير وفي جيبها 5 روبيات فقط، لمساعدة المرضى والمنبوذين، لم تكن تتصور بأنها ستكون في يوم من الايام أمًّا لرهبنة رائعة مليئة بالأخوات الفرحات يتحملن ألم الآخر، ولم تكن تعلم بأن الله أرسل لها أبناء لا عدّ لهم كي يخدموا معها الفقراء، فأصبحت ورهبنتها ومساعدوها “ملكوتا للعيش معـًا” على الأرض. لقد لمست جسد الإنسان المجروح كي يتحول الجرح إلى الحياة وليس إلى الموت. هكذا آل خلاص الإنسان إلى تعاضده مع الآخرين. لقد علمت الأم تريزا أجيالا من الشباب والحكماء كيف تكون قيمة الإنسان غالية وعالية في فجوة الموت الأكيد، فالحياة تتجلى ثمينة عند اقتراب لحظة الموت. هذه هي المحبة، أن ترى الآخر حيا وهو يحتضر، أن تهب له الحياة وهو عابر إلى الضفة الأخرى.

الى أين يذهب عالمنا؟

لا ينظر للإنسان على أنه من الجماعة الفلانية، أو الديانة الفلانية أو اللون الفلاني، بل ينظر للإنسان على أنه مشروع حياة يثمر قدرة خلاقة 30 و 60 و 100.(مثل الزارع مت 13/8) فلم تقم دولة في العالم على عرق واحد صاف، أو ديانة واحدة نقية، أو لون واحد لا غير، إن الإختلاف هو قانون الإنسان والطبيعة والكون. بل بالأحرى، الإختلاف يثمر غنى كبيرًا في حياة الأمم، ويعطي إبداعات رائعة عبر التاريخ. أليس غاليلو وأديسون وتولستوي وديكارت ومارتن لوثر كينغ وابن رشد ومانديلا وأخيرا العالم الياباني يوشينوري أوسومي الذي حصل مؤخرا على جائزة نوبل في الطب لعام 2016 هم جميعهم بتنوع اصولهم اصبحوا اليوم إرثا أغنى الحياة البشرية، ولا يعتبرون حقا خالصا لأمة واحدة أو لشعب واحد معزول عن العالم؟! ففكرهم ونتاجهم وإبداعاتهم أنارت طريق العالم ككل وبنت عليها الأمم قوانينا وحضارات وعلوما ومنهجا للحياة. فالحضارة هي تراكم خبرات إنسانية عديدة تلهم البشر بالمضي قدما في بناء الحياة والتعامل بإيجابية مع الطبيعة.

إن ما يجري اليوم يشبه ما جرى قبل قرن من الزمان على الساحة الدولية. ففي عام 1929، حدثت أزمة مالية عالمية كانت موجودة في أوربا وانتقلت إلى أمريكا، وسمي اليوم في وقتها “الخميس الأسود” بسبب انهيار أسواق المال الأمريكية. ها نحن نشهد اليوم أزمة مالية عالمية في أغلب بلدان العالم بسبب اعتماد العالم على المال والإقتصاد في سياساته الداخلية والخارجية.

كانت بدايات القرن العشرين، مثل القرن الواحد والعشرين، مليئة أيضا بالإحتقان العنصري والخوف من الآخر والتكتلات الخارجية والداخلية، فأدت بأوربا الى حربين عالميتين عاصفتين نتجت عنهما دمارا شاسعا في العالم، وقتلى بالملايين، وتقسيما جديدا للعالم أدى بدوره في يومنا هذا إلى أزمة جديدة في منطقة الشرق الأوسط عصفت برياحها أوربا ودولٌ غربية أخرى، ويكاد هاجس الخوف من الآخر هو المسيطر على الأفكار، وهذا ما نجده في أوربا وأمريكا والبلاد العربية على حد سواء.

البيئة المتوازنة مصالحة للعالم

ربما يبدو كلامنا هذا غريبا عن العراق ومواطنيه في الداخل والخارج، وهذا صحيح من واقع الحال في الداخل إذ يعيش البلد أزمات عديدة ومشاكل كبيرة على مستوى الإقتصاد والفساد المالي والحرب على الإرهاب. لكن كلامنا ليس غريبا عن واقع الإنسان العراقي الذي يعيش في هذا العالم  ويتابع أزماته وسياساته ومشاكله، فهو يحمل في ذاته بذور العراق والشرق، ويمكنه مقاسمتها مع الآخرين، لكن عليه أولا أن يعرف ذاته وبيئته وتعامله مع الطبيعة كي يعرف التعامل بشكل متوازن مع العالم.

تكمن القضية أولا في الأمراض التي خلفتها الحروب والحصار على مدى سنوات،والطائفية حاليا وعلى العنف الذي عاشه ويعيشه أيضا في حياته. إن نظرة صغيرة على أسلوب التعامل مع الأرض، في كل مكان، والتعامل مع الطبيعة ومع الإنسان والحيوان والنبات تعطي لنا فكرة عن قربنا أو ابتعادنا عن لاهوت البيئة، الذي يعاني مثلنا أسلوب الأنانية والنبذ والإهمال. فالطبيعة إنعكاس للإنسان في حياته، فبقدر ما نزرع سوف نحصد، ونحن نحصد الآن ما زُرع فينا منذ سنوات عدة. هكذا كل من خرج من البلد يعاني بعد فترة من الأمراض لأنها كانت كامنة فيه مدة ليست بقليلة. طوبى للذي يكتشف سلبياته وأمراضه ويعمل على شفائها. فاليوم نحن بحاجة للعالم كي يكشف ما فينا من جروح ومعاناة وتقرحات. الجيد يعطي الجيد، لكن السلبي يتقيأ أمراضا في المجتمعات التي نعيش فيها. فنصير أحيانا مثل المتوحدين، أو أكثر نصبح مثل أناس لا يسمعون ولا يرون ولا يتكلمون، كي لا نكتشف عيوبنا وعيوب حضارتنا.

في أولمبياد المعاقين في العطلة الصيفية الماضية، شارك أخوان في سباق للركض، فتقدم الأول على أخيه، لكنه قبل النهاية وقع من الألم وهو على بعد أمتار من خط النهاية، فقام أخوه، وقد كان ثانيا في المضمار، بمساعدته ورفعه من الأرض والتقدم معـًا إلى خط النهاية. أليس هذا ما يحتاج إليه بلدنا؟ فرفع الإنسان من الأرض يعني القيامة، وقبول الدخول الى ملكوت السماوات معناه الدخول مع الآخر، فالملكوت ليس حكرا على واحد منا، بل هو للجميع لأن المحبة ليست “تملكا” بل هي دخول في إطار الشمولية والمصالحة مع العالم. فالمحب، مثل الله، يريد تحرير حبيبه من كل قيود المرض والشر والموت، ويهدي الحياة له. هل ستبقى هذه أمنية مستحيلة في وقت يتفشى الموت على أرضنا وفي صميم حياتنا؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*