الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / لعبة الأقنعة (افتتاحية العدد 501-502)

لعبة الأقنعة (افتتاحية العدد 501-502)

افتتاحية العدد 501-502رئيس التحرير
في خضم الظروف التي يمر بها بلدنا والمنطقة، وبسبب ما يعاني منه المجتمع من ويلات ومآسي الحروب وما يعيشهُ الآن من موجة العنف بسبب الإرهاب الذي لا يفرق بين صغير وكبير وبين هذا المذهب او ذاك الدين، كل هذا دفع الكثير إلى الحيرة وطرح تساؤلات: أين الله من كل هذا؟ هل هو بعيد أم متفرج؟ أم هو يعاقبنا على خطايانا الكثيرة؟ أم هو لا يريد التدخل في مسألة حرية الإنسان ويدعهُ يفعل الشر على سجيتهِ؟
ففي المنظور إلايماني، نفهم أن المسيح جاء كي يكشف لنا صورة إلـه يُحب ويسامح ويدخل في مشروع الخلقة مع الإنسان، على الرغم من تعنت الأخير وعنفه ورفضه لمرات كثيرة لهذا المشروع. وبالتالي تختفي صورة الله الحقيقية في تفاصيل الحياة اليومية. فصمت الله عن ما يرتكب باسمه يفسره البعض أنه دليل على تركه للشعب. بينما نتساءل: ألم يتضامن المسيح مع المتألمين؟ إن الفوضى التي اجتاحت مستويات البلد كافة اختزلت بعبارة “معمعة العراق”، وهي تفرض الإجابة عن تساؤلات أخلاقية وإيمانية أثارت في نفس المؤمن الشك والخوف، فحاجة اليوم هي إنعاش الضمير.
فإذا كان المسيح قد أوصى بمحبتنا لله وللقريب في الوقت نفسه، فإن مسألة قبول الآخر ورفض الإختلاف في مجتمعنا أصبحت من التحديات الصعبة التي يواجهها المؤمن. ففي الكثير من الأحيان، لا يعرف المؤمن شخص المسيح وتعاليمه التي تقود إلى المعرفة بعمقه الإنساني والإلهي. قد خُلقنا على صورة الله ومثاله، فكيف نسمح بتشويه صورة هذا الإنسان في عنف يشوه أيضًا صورة الله؟ ففي الخبرة المعاشة، يتفق أبناء المجتمع الواحد فيما بينهم على غالبية الأمور التي تخص الإنسان والحياة، ولكنهم في الوقت نفسه يختلفون في الأمور التي تخص علاقتنا بالله.

شكسبير ولعبة الأقنعة
يقول شكسبير في مسرحية هاملت: “لقد أعطاكم الله وجوها، فلماذا تصنعون أنتم وجوها أخر؟”. إن لعبة الأقنعة هي ما تجعل الكذب يصبح حقيقة والحقيقة كذبا. فقلب الموازين يجعل من الرياء والإزدواجية هي القيم المقبولة والعادية في مجتمعنا، بينما الصادقون والمستقيمون هم من المغضوب عليهم لأنهم ليسوا من تيار هذا العصر ولا من مؤمنيه. هكذا نخرج كل يوم مع قناع جديد، بحسب الأمكنة والأشخاص والمصالح. فالوجه، في أصله ونقائه غير مقبول، بل مرفوض ويفضل أن نلبس الأقنعة كي نستطيع مجاراة صعوبات وأقوياء هذا الزمن. هكذا يكون الخارج شيئًا والداخل شيئًا آخر، فتعم الفوضى في بيتنا الداخلي، وبالنتيجة تعم الفوضى وعدم المسؤولية البلد كله. يحتاج الإيمان إلى إنقاذ وإلى مؤمنين يساندونه، لأنه أصبح في زمن تجارة الإيمان، وهما نستخدمه لتغليب قضيتنا أمام الكل قبل تغليب قضية الله على الكل. نحن في زمن الصوم الذي هو زمن التوبة والغفران، وهو زمن الصعوبة الحقيقية لأن الجميع من حولنا صار “غريبا” عن الله، بينما نحن نحاول أن نكون من وفي الله، وعلينا أن نتعاضد في مسؤولية تقريب “الغريب” من الله.
إن كشف صورة الإنسان الحقيقية في عالمٍ يريد تغييب هذه الصورة، هو القيام بنزع كل الأقنعة التي صنعها ووضعها على وجه الله لكي يصدقها ويقنع الآخرين بها، بينما الله منها براء، والإنسان ليس بذئب يتربص أخاه الإنسان. بل الجميع مدعو إلى حياة مقاسمة وتضامن بلا استثناء أو جبروت أو جزئية أو محاصصة.
لقد جاء المسيح ليرفع الإنسان إلى درجة عالية من الكرامة، ويبعده عن الكراهية والخطيئة والظلم. فقد دعا إلى محبة حقيقية من خلال تلاحم إنساني ما بين القول والفعل، وما بين المظهر الخارجي والمعنى الداخلي. وقد عـُلق المسيح على الصليب بسبب التزامه الذي استوجب كل هذه التضحية. وهو ذات الصليب الذي يحمله ويعيش معاناته شعبنا من أجل المحبة والخير والسلام.
هكذا يعيش الشعب في ليل الصليب بانتظار فجر القيامة وتحقيق الخلاص. لكن هذا الإنتظار يتوجب الإستحقاق بتلاحم ثالوث إيجابي: الله-الإنسان-المحبة. فكل استحقاق هو ناقص إن لم تكن هناك نعمة من الله يتقبلها الإنسان كعطية مجانية تتحول إلى عيش الوئام مع الآخر.
***
يؤكد الفيلسوف عمانوئيل لفيناس (1906-1995) بأن الوجه مكان اللقاء مع الآخر. فخلف تعابير الوجه العادية، يصف لفيناس الوجه بأنه بؤس وهشاشة الإنسان، يُعبر عن فقره بدون أي قناع، ويرجو الآخر بأن يساعده ويتعاضد معه، لأنه مسؤول عن بؤسه. هكذا تصبح نظرة الوجه معرفة وإحساسًا. لا يستطيع الوجه الدفاع عن نفسه، ولهذا فهو يغوص بالمعنى. ولكل وجه معنى خاص به لأنه عالم مستقل ومملوء بالحكايات، فالوجه “يتكلم” ويطالب بالجواب لأننا مسؤولون عنه. هكذا تصبح وجوه الآخرين مسؤوليتي أنا. يتمركز كل النظام الأخلاقي، لدى لفيناس، في شخص الآخر وفي قابلية الخير الموجود فيّ مواجهة الشر في العالم.
هكذا هو مَن يكتشف شخص المسيح يتعمق في الإنسان وفي الله في آنٍ واحد. فهو الرَباط الذي يوصل ما بين هذا وذاك. إن ما يدفعنا إلى التواصل هو صرخة المسيح ضد الخطيئة والعنف وصورة الله غير الصحيحة الموجهة لمجتمع فقد الإتصال بالله وبالإنسان، ولدت شحنًا مستمرًا وتوترًا وفهمًا خاطئًا للآخر. إن الوضوح والقبول بدخول عالم الآخر هو من مبادئ مدرسة المسيح في عالمنا اليوم. فهو “الكلمة” في عالم فقد معنى القيم كي يعيش في دوامة معولمة، مؤسسة على المصالح والإقتصاد والمنفعة والتفوق الإلكتروني. هكذا، على الرغم من عيشنا في عالم ثورة الإتصالات والتواصل الإجتماعي، إلا أن العالم يعيش قطيعة بين الشرق والغرب.
إن هدف المسيح هو الولوج إلى عالم المصالحة ما بين الإنسان والعالم من خلال المصالحة مع الذات، ثم مع الله. أن نرى الآخر مقبولا في قاموس الله مهما كان وجههُ أو كان دينه أو كان مقامه ورأس مالهِ. فالمسيح يكشف لنا ذواتنا بلا عيب مملوءة بكل كنوزها وأمراضها وتقرحاتها. قد كشف لنا المسيح وجه الله الرؤوف من خلال تعاضده مع الفقراء والمظلومين. وفي مسيرته، إكتشف أن الملكوت هو للفقراء قبل أن يكون لأي أحد آخر، لأن الملكوت هو ملكوت مقاسمة. وفي عمله هذا، كشف أن الله هو إلـه قريب من محبيه وفقرائه، لا ينساهم، بل يكون أكثر قربًا منهم أيام العناء والحرب والقسوة. ولهذا نحن نؤمن بأن الله اليوم موجود أقرب وأعمق في حياة العراقيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*