الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / نزول إلى الأعماق (افتتاحية العدد 505-506)

نزول إلى الأعماق (افتتاحية العدد 505-506)

افتتاحية العدد 505-506بمناسبة سنة الحياة المكرسة

تتضارب في عالمنا اليوم أفكار تذهب في إتجاهين مختلفين يتصارعان، الأول مادي فئوي يتصف بالفردانية والعنف في علاقته مع الآخر، والثاني روحي، يريد عودة الإنسان إلى أعماقه، إلى باطنه وحياته الروحية، من خلال التكرّس للسلام والصلاة والإخاء ما بين الشعوب. وبما أن الإنسان يشهد ويقرّ بأن كل ما من حوله من بيئة طبيعية واجتماعية أصبح ملوثا بشكل كبير، دعته الحاجة اليوم إلى العودة إلى الداخل للبحث عن مسار جديد لمعالجة كل ما يهدد حياته. بينما تحيى فئة ثالثة، وهي الغالبية، على هامش البساطة، بلا حول ولا قوة، ترنو إلى التعايش بسلام والجيرة الطيبة محافظين على نمط حياتهم التقليدي.
يذكر البابا القديس يوحنا بولس الثاني في رسالته عن “الحياة المكرسة” بأنها عطّية الآب لكنيسته بواسطة الروح القدس. الله يوجد في أصل ومنشأ الحياة المكرسة وهو يقوم بالمبادرة الأولى, لهذا فهي لا تأتي نتيجة حاجات الكنيسة والمجتمعات في بعض الفترات التاريخية فقط، بل أن المكان الحقيقي والأصلي للحياة المكرسة يكون عبر عيش الفضائل الإنجيلية: إيمان ورجاء ومحبة.
تكمن قيمة الحياة المكرسة في إكتشاف داخلي للأنا وللجماعة عبر التاريخ وفي العالم. فهي أسلوب مميز وخاص لاستخدام الزمن في أبعاده الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل. الحياة المكرسة تحمل للمكرس علاقة خاصة بأصوله. وهذه الأصول أصبحت روحية بعدما كانت في الماضي عائلية أو فئوية. فالمكرس يكتشف بأن رجالا ونساءً ليسوا من عائلته أو من بلده، ينتمون إلى شجرة عائلته الروحية الجديدة، إذ تصبح حياة المكرس معتمدة على حياة هؤلاء النساء والرجال الغرباء – الأقرباء. هناك لقاء ما بين مشروع الجماعة ومشروع حياة المكرس. فالجماعة تقبله وتستقبله، وهو يقبل إعطاء وجوده لتاريخ وتقليد الجماعة. هذا الإتحاد والإنصهار يدعو إلى عيش أسلوب حياة الآخرين بآدابهم وأخلاقهم. فيكتشف المكرس دعوته ومستقبله وقصته الوجودية في قصة هذه الجماعة.

ضيافة الله
في التقاليد الشرقية، الضيافة مقدسة وتتوجه دائما نحو الآخر الغريب. فكل ضيف يعتبر بمقام الله، منذ زيارة الرجال الثلاثة لأبينا إبراهيم، قبل 4000 سنة، في شجرة ممرا. إذ كان إبراهيم ينتظر ضيوفه أمام عتبة الخيمة، فانحنى أمامهم واستقبلهم بكل حرارة ورغبة، واقتسم معهم الطعام والكلام والمحبة. تقول قصص تسمى “هكدة” (قصص وروايات مختارة من ليتورجية مأخوذة من عصور وحضارات مختلفة) بأن إبراهيم ومن بعده أيوب، كانا يستقبلان الضيوف، وخصوصا الغريب والأرملة والفقير، وأبواب بيوتهم مفتوحة على الجهات الأربعة للعالم، لكن الفرق بينهما هو أن إبراهيم كان ينتظر أمام داره لإستضافة الناس، لا بل كان يهرع إليهم بنفسه، بينما كان أيوب ينتظرهم جالسا في بيته.
هكذا في الحياة المكرسة، على خطى ضيافة إبراهيم، نستقبل الله في كل ضيف، وهو يحثنا على حركة داخلية وكيانية للخروج من بيت الأنا إلى الآخر، الذي هو الله. إذ تتأصل الضيافة في هيكل جسدنا، ويحلّ الله ضيفا دائما في حياتنا، هذا ما يقودنا إلى اعتبار أي غريب يدخل في باب بيتنا وبيت الأنا مثل القريب المقدس الذي يدخل علينا في الفرح، خفيف الظل، مسامر وطيب المعشر. فالعلاقة مع الأخوة في الحياة المكرسة، عبور نحو الله الذي يأتي إلينا في كيان الإخوة. فالضيف المكرس يأتي من الله ويعيش في الله ويهاجر إلى الله.

الضيافة الإفخارستية
تعني الضيافة الإفخارستية تجلي الكيان المسيحي كاستقبال وحوار وقبول للإختلاف. الضيافة تفترض الشركة، لا بل أن الشركة تؤسس الضيافة في بعديها الروحي والعلائقي. وعندما تكون الإفخارستيا مكان غذاء حقيقي للمؤمن في حياته اليومية والروحية، يستلهم منها مكان تلاحم مع جميع البشر عمومًا، وتلاحم مع جسد الكنيسة الإفخارستي خصوصًا. وهذا لا يقتصر على الإفخارستيا في بعدها الطقسي والإحتفالي، بل أيضًا في بعدها الكلامي والسريّ الذي يتجسد في أحداث العالم، فالذي ينطق بالكلمة، يصير مثل إبن الإنسان، مجالا لله في لسانه وجسده، مكانا للتعبير عن كلمة الله في قلب هذا العالم.
تستبعد الضيافة الإفخارستية كل تهميش وإقصاء للآخرين، بل تقبل الآخر واختلافه كغنى، في حوار صريح وحقيقي بدون أي مراءاة أو خوف. هكذا تخرج الضيافة الإفخارستية من كونها مفهوما جرى تداوله في زمن معين ولحالة معينة، إلى معنى أوسع، ليشمل كيان الكنيسة، كي تكون مستعدة لمقاسمة يسوع المسيح مع الآخر المختلف.
تعلمنا الضيافة الإفخارستية نوعًا من إحترام سرية الشخص البشري واختلافه في التقرب من الله والكنيسة والعالم. فالضيافة مكان تجلّ وتغيير في العقول والقلوب والعلاقة، وتصبح واقع إهتداء يومي لله وللإنسان في الكنيسة. إن الغذاء الروحي الذي نتناوله يوميًا أو أسبوعيًا في القداس هو للإتحاد بجسد المسيح في بعده الكوني والشامل. فالذي يقبل أن يدخل فيه ويتحد معه، يتغير ويصبح إمكانية تحقيق للمسيح في الكنيسة وفي المجتمع.
مانشيت
كيركغارد: “العلاقة مع الله تجعل الإنسان إنسانا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*