الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / نظرية الفوضى المبرمجة ومصير مسيحيي الشرق (افتتاحية العدد 499-500)

نظرية الفوضى المبرمجة ومصير مسيحيي الشرق (افتتاحية العدد 499-500)

افتتاحية العدد 499-500نائب رئيس التحرير
بعد سقوط الشيوعية وتشظي الاتحاد السوفيتي، في تسعينيات القرن الماضي، شخّص المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما في كتابه (The End of History and the Last Man,) التاريخ كخلاصة للمجابهة بين أشكال عدة من التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية. إنه قرن المجابهات بين الأنظمة الإيديولوجية (الشيوعية ضد الرأسمالية) والتيارات الفلسفية. في حين عارض الأمريكي صمويل هنتغتون (1927-2008) في كتابه “صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي”، مفهوم فوكوياما الذي اعتقد بأن القرن 21 سيشهد صدامًا بين الحضارات الموروثة من الماضي (المسيحية في الغرب، الهندوسية في الشرق الأقصى، الإسلام في الشرق وغيرها). فحادثة سقوط برجي التجارة العالمي في أمريكا، في 11 أيلول 2001، تؤكد حقيقة الصراع بين الشرق والغرب.
هل على متتبع الاحداث الحالية في العالم عمومًا وفي الشرق الأوسط خصوصًا، التسليم بإحدى هاتين النظريتين: صراع أيدولوجيات أم صراع حضارات؟ وما علاقة هاتين النظريتين بـ “الفوضى” في العالم العربي اليوم؟
هل إختفت الأيدولوجيات الكبرى فعلا عن الساحة تمامًا؟ (أنظر افتتاحية العدد الثالث 495-496، الفكر المسيحي 2014). لا بالطبع لقد أخذت اشكالا جديدة، “أنظمة تحتية”. فالرأسمالية هي بلا منازع النظام الأيديولوجي، الذي تقوده دول كبرى كالولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا (فيها الشيوعية من الداخل والرأسمالية في سياستها الخارجية)، السائد في العالم. لم يخطأ لا فوكوياما ولا هنتغتون في تشخيصهما لاضطرابات العالم الحالية. فتشخيص هنتغتون في صراع الحضارات يندرج، في الحقيقة، ضمن أفكار فوكوياما، في أن الفوارق بين الثقافات والأديان تستغلها الرأسمالية وبشكل مقنع. فالإرهاب الحالي، الذي ألصق بالإسلام، ليس سوى “علـّة” مقصودة سُببت كي يتدخل “الرأسمالي” وبشرعية ليقدّم نفسه “مُخلّصا” للشعوب العربية!

العراق، حالة واضحة جدًا
لقد سقطت محافظات عراقية عدة في أسابيع قليلة بيد “جماعات إسلامية” ظهرت، بين ليلة وضحاها، كآلة بيد الرأسمالية الطيّعة لتهدد أمن العالم والولايات المتحدة الامريكية! أكانت الفكرة وراء ذلك إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد تزامنًا مع “الربيع العربي”؟ يبدو أن الكفة ترجح الجواب نعم. وأن القدر شاء أن توافق هذه السنة الذكرى الـ 100 تقريبًا لولادة الشرق الأوسط كما نعرفه اليوم، (الحرب العالمية الأولى 1914-1918). ما أغرب كل هذه المصادفات! وهل هي حقًا محض مصادفات؟ إن الفوضى تولد من “صدفة”، لكن عندما تكثر “الُصدف”، ألا تؤول الفوضى إلى مشروع منظم ومحكم؟! والغريب أن هذه الصدف لم تحدث إلا في الشرق الأوسط! كتب سيغموند فرويد مرة: “يؤول التراكم إلى نهاية فكرة الصدفة”. كان لابد للدول الكبرى أن “تخلق” بلبلة وفوضى لتبدو، في البداية، كأحداث عشوائية. لكن من يفطن إلى ما يجمع عوامل تلك الفوضى، بالرغم من تنوع مسبباتها، يدرك عندئذ ما تعنيه “نظرية الفوضى” في كونها، في النهاية، مشروعًا منظمًا ولغاية واضحة.
فبعد أن سعى العراقيون إلى أن يترك الامريكان العراق من “الباب الضيق” أو باسم شرعية العراق وسيادته، وهذا كان بعد عام (2011) من بداية “الربيع العربي (2010) “! لم ينس الأمريكيون وحلفاؤهم ما “ضحوا” به ثمنًا لدخولهم الشرق الأوسط. إذ لم يكف تحالفهم مع آل سعود كي يُعطي شرعية لبقائهم. فكان لا بد من خلق فوضى، لغاية تدخل أمريكي من نوع جديد في العراق – خلق العلة وتدخل كطبيب لا مفر منه! وهل لأجل “عيون العراقيين”، ضحى الامريكان بما ضحوه؟ من صنع الفوضى، من جلب الحكام العرب ومن أسقطهم؟ إعتمدت هذه الفوضى ما ظهر في كتابات هنتغتون: خلاف أساسي بين الثقافات، يمكن أن يُستغل بطرق و”مآرب” عدة.
فبعد طلب العراقيين المُلح بضرورة ترك الامريكان أراضيهم، ها هم، وبعد ثلاث سنوات فقط، يطالبون بتدخل أمريكي في المحافظات التي سقطت بيد “داعش”. كما قال دبلوماسي يومًا متهكمًا: “ينبغي خلق الداء بقوة ليظهر الطلب على الدواء مُلحًا”.

هل الأقليات مثار للشفقة؟
ما يعاش في العراق من رجوع إلى البدائية والعصر الحجري، وسحق للأقليات الدينية والأثنية التي لا وزن لها في المجتمعات العربية ولا نفع منها لرأسمالية الدول الغربية الكبرى، دفع الكثير من أبناء الأقليات في العراق إلى “الهروب” من خطر مزدوج: عنف الأصوليين الجدد، وغياب من يطالب بحقوقهم التي انتهكت تحت أنظار الكتل السياسية المهيمنة في البلد. لذا علينا تبديل كلمة “هجرة”، التي يمكن ان يكون لها معنى فردي -كترك البلد لأسباب خاصة- إلى مفهوم “الهروب”، كون المسألة لا تخص أشخاصًا بل شعوبًا بأكملها. لم يسع المسيحيون وعبر تأريخهم الطويل والبنّاء، إلى الهروب من العراق، وإن كانت هناك هجرات، لكنها لم تكن بالوطأة والوضوح نفسهما إلا قبيل المذابح التي طالت الأرمن وباقي الطوائف الأخرى من دولة ساعدتها أطراف سياسية ألمانية وغيرها. فالعنف كان موجودًا ضدهم ومنذ البداية. لكن ما يحدث اليوم ويرغم المسيحي على ترك بلده، هو غياب من يدافع عن حقوقه، في ظل “شبه دولة” لا تُعرف، من جهة الا بوعود ساستها، ومن جهة ثانية، “شفقة” باقي أهل البلد والعشائر على الأقليات التي تحثها على البقاء. عنف اليوم تمارسه أطراف عدة، لكن الأبشع من هذا أن كل هذا يحدث تحت أنظار الغرب وببركته! فيقف المرء في حيرة أمام تصريحات المسؤولين الغربيين (العرب ساكتون كالعادة) المنقسمة بين صامت ومجاف. كيف يمكننا أن ننسى تصريحات الامريكية مادلين أولبرايت مستشارة الدولة آنذاك، في مقابلة تلفازية في 1996، بعد تزايد عدد الوفيات بين الأطفال في العراق بسبب الحصار عليه: هل أن الحصار ونتائجه يستحق حياة مئات الآلاف من الأطفال؟ فكان جوابها: “إن الثمن يستحق!”.
هل تبنى مواطنة الأقليات وانتماؤهم على شفقة الأغلبية؟ بالطبع لا. يستند مفهوم “المواطنة” بالدرجة الأولى على مفهومي “الحقوق” و”الواجبات”. من يرغب ترك بلده وما يملك (بيوت ومحال تثمن بمئات الآلاف لا بل الملايين من الدولارات)، لكي يعيش مهمشًا في بلد آخر، يقتات من مساعدات زهيدة وفي شقق صغيرة بعد أن كان يسكن بيوتًا رحبة؟! لكن واقع العراق فرض حتمية هروب مسيحييه، الذين يلجأون إلى بلدان تحفظ لهم الحد الأدنى من كرامتهم. كيف بالإمكان العيش، بين وعود وهمية وشفقة البعض، في بلد وسياط الخوف من المجهول ترهب الجميع وبالأخص الأضعف منهم؟ ليس المسيحيون فرحين بالهروب، لكن ما الحل؟ تقلبات تاريخ العراق منذ القرن الأخير أثبتت أنهم جزء مُهمل أو بالأحرى “كبش الفداء”، مع الأسف الشديد، في نظرية الفوضى التي يخلقها الغرب لخارطة شرق عربي جديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*