الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / نيرون الطاغية … ووجهه الجديد, إفتتاحية العدد 511-512

نيرون الطاغية … ووجهه الجديد, إفتتاحية العدد 511-512

نائب رئيس التحرير الأب د. هاني بيوس حنا

عندما يتذكر المرء، على الرغم من المسافة التاريخية التي تفصلنا عن بدايات المسيحية، ما عاشه المسيحيون في القرون الأولى يتألم لمعاناتهم من ظلم الأباطرة الرومان ومزاجياتهم إذ كانوا يتفننون لا بل يتلذذون بممارسة شتى إضطهادات تظهر وحشية nymar barcaوعنفًا لا يمكن تصوّره. وعادت الإضطهادات في بداية القرنين العشرين والواحد والعشرين ممنهجة ضد من يؤمن بالمسيح في شرقنا. إنه عداء سافر ضد مسيحيي الشرق. فبدا الإضطهاد مرتبطًًا بعنف خارجي. لقد بدأنا نعود إلى أزمان الإضطهاد، ليعود معها زمن “الدياميس”. يعيش الغربيون اليوم، في دياميس الخجل والخفية، ليس بمقدورهم أن يعلنوا أنفسهم “مسيحيين” في مجتمعاتهم المتقدمة.

فمن ترك الشرق العربي وهاجر إلى بلاد الغربة، يتفاجأ بشكل جديد من الإضطهاد لم يكن يتوقع وجوده: إن العنف حاضر وموجه ضد مسيحيي الغرب. لقد أظهرت إحصائية حديثة أن المسيحيين هم الأكثر عرضة إلى الإنتهاكات والظلم في العالم. فقد كشفت مجلة الفيغارو الفرنسية Le Figaro (22/10/2014) أن ما بين 150- 200 مليون مسيحيي يتعرض إلى العنف سنويا. أخذ العنف في بلاد “التحضّر” شكلا جديدًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نسرد ما حدث بالفعل في “الفيفا”، وهي أعلى مؤسسة كرة قدم في العالم، في 11 كانون الثاني المنصرم بزيوريخ (سويسرا). فلدى تسليم جائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب كرة قدم لعام 2016، طرحت لجنة التحكيم أمام الملأ وأمام عدسات التلفاز شريط فيديو يظهر مهارات اللاعب البرازيلي الشهير دا سيلفا نيمار (Neymar)، وقد ظهر على جبينه عُصابة تحمل عبارة (100٪ يسوع) حذفتها الفيفا من الفيديو. لم تقّدم الفيفا تفسيرًا سوى أنها فعلت ذلك بداعي “الإحترام”. لكن إحترام من!؟ نيمار، اللاعب المسيحي الذي عبّر عن إيمانه وامتنانه لشخص المسيح أمام مئات الملايين من المشجعين المسيحيين!؟ أمثلة أخرى، تدنيس الكنائس والمقابر وإهانة المسيحيين ورموزهم الدينية من وسائل الإعلام وغيرها. هذه أمثلة على عداء مبطن من سياسات دول كاملة تحملها أيديولوجيات ملحدة تأبى الإقرار بما تدعو المسيحية إليه من عدل وضرورة محاربة الظلم في المجتمع العالمي. لماذا يراعي المجتمع الدولي شعور غير المسيحيين، أما المسيحيين فهم عرضة للسخط؟ ما هذه المراءاة والكيل بمكيالين؟

هل لأن المسيحية وروح المسيح الذي ينعشها رفض العنف وحمل السلاح، فهذا يجيز لكل من هبّ ودب في أن يستغل روح المصالحة واللاعنف في أن يتطاول عليها وعلى مؤمنيها؟ المسيحية ورثت عن المسيح ضرورة العمل على السلام ورأب دابر العنف والظلم في كل مكان. فقد فهمت أن السلام مشروع صعب للغاية، وإبقاءه يتطلب تضحيات كبرى. فالسلام يبقى سريع العطب والحفاظ عليه مرهون بفهم متبادل بين الأشخاص والمجتمعات. لقد أسقطت طائرة روسية وأعدم شيخ دين في السعودية لتتغير الرؤى بين الأمم وتنكشف أوراق كانت مخفية إلى أن تمت هذه الأحداث. هنا تظهر سرعة عطب ما يربط بين البشر ومجتمعاتهم.

تريد المسيحية أن تكون جسرًا في عالم يهتز لأقل سوء فهم وحادثة، فالكل على شفى هاوية إظهار أنيابهم. فمن هم الضحية؟ أليس فقراء هذا العالم والضعفاء هم من يدفعون الثمن من حياتهم؟ ومن يأبه؟ تسعى جسور اللاعنف التي تبنيها المسيحية واحات سلام وومضات نور الله في العالم. كان المسيح يحمل هذا النور من الآب إلى البشرية لأنه كان يعلم مدى حاجة البشرية إلى سلام كي تبقى وتنضج. فهل يجب النظر إلى منطق “الـمُسالم” والداعي إلى السلام في هذا العالم كضعف؟ كلا. من يحمل هكذا نظرة فمخطئ لأن من يبني السلام هو من “أبناء الله”، تقول الطوبى في الإنجيل: “طوبى لفاعلي السلام لأنهم أبناء الله يدعون”. لماذا يرهب المسيحيون في العالم، هل بسبب أنهم يحملون مهمة عظيمة ورسالة إلى البشر؟ لقد قبِل المسيحي أن ياخذ على عاتقه، على مثال معلمه الأعظم، المسيح، أخلاقية البناء والمصالحة بدل منطق العنف والقتل، لأن المسيحية تؤمن بقوة في الحياة. لا يجلب الظلام معه سوى العنف، أما النور فهو حامل السلام.

“أنتم نور العالم”

خطّت عبارة المسيح هذه، منذ ولادة الكنيسة رسالتها ومعها دعوة كل مسيحي في العالم. لذا فأكثر مؤسسة في العالم إهتمت بكرامة الإنسان ولا زالت هي الكنيسة. فمؤسساتها الخيرية والتربوية والثقافية ترفد المجتمع الذي تعيش فيه. فهي تهتم بكل ما همّشه المجتمع وقوانينه. إنها ترعى الفقراء وتدافع عن المظلومين وتسعى إلى إرساء العدل في كل مكان. لكن خطابها لا يبدو مرضيًا لدى أقوياء هذا العالم ممن لا يفكرون إلا في أنفسهم؛ وحتى على نطاق سياسات دول بأكملها. لذا يفهم القارئ لماذا كل هذا التحامل على المسيحية في العالم. لا تكاد تخلو دولة من ظلم تجاه المسيحيين. لكن الكنيسة لا تنثني أمام كل العنف أو الإغراءات التي تقدم لها من جهات سياسية أو حكومات كونها لا تساوم إطلاقًا على حياة الإنسان ولا تنفك تدافع عن كرامته. فهي ترفض المحسوبية على ما تسلمته من المسيح، من باع للعدالة والمحبة. لذا فالرسالة كبيرة وستبقى محط سخط كل من يتغذى بالظلم ويقبل به وسيلة للبقاء.

لكن هل يجب فهم عبارة “لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَل مَن لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيمَنِ فَحَوِّل لَهُ الآخَرَ أَيضاً” (مت 5/40)، على أنها قبول بالإهانة والرضوخ للظلم والعنف، وخاصة إن كان الأمر يتعلّق بمن لا يتعظ فيزيد من إهانته ظنًا منه أن لا عنف الكنيسة ضعف وعلامة خنوع طوعي؟ من يفهم عبارة الإنجيل هكذا عليه، في الوقت عينه، أيضّا أن يتذكر عبارة أخرى على فمه القدوس عندما لطمه أحد الخدم لدى محاكمته: “إِن كُنتُ قَد تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشهَد عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِن حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضرِبُنِي؟” (يو 18/23). لقد آن الآوان أن تطالب الكنيسة أمام المحافل الدولية -وإن بقيت هذه منحازة وتقف مناهضة للكنيسة. فعلى المسيحيين إيصال صوتهم ومطالبة المجتمعات الظالمة إنصافهم، لا أن يقفوا مكتوفي الأيدي. ومثال الأرملة التي تأتي فتطلب من قاض “ظالم” أن ينصفها (لو 18/1-8). إنه يتردد، لكنه وبالحاح منها، ينصفها في نهاية الأمر. ليست فكرة المطالبة بالعدل والحق تحويرا لما بناه المسيح من “لا عنف”. فالعنف يبقى غير مجد وما أكثر الأمثلة في التاريخ. فالمسيح عندما يورد عبارة “من لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيمَنِ فَحَوِّل لَهُ الآخَرَ أَيضاً”، لم يقصد “لا تطالبوا بحقوقكم” أو “إرضخوا للظلم”، بل “حاربوا ميل عنف طبيعتكم البشرية التي ترد العنف بالعنف

يبقي غياب فعل الكنيسة أمام المجتمع الدولي بوجه التطاول والإنتهاكات مؤمنيها تحت رحمة سادية آيديولوجيات وسياسات، يبعدها عن رسالتها في شجب الظلم والمطالبة بالعدل للمظلومين الذين هم مؤمنوها بالدرجة الأولى!

فعلى الكنيسة أن تستعمل ما بقي من طيبة وخير في العالم تدمجه بالنور الالهي الرحوم فتبقى سراجًا “لا يوضع تحت السرير” بل على منارة كي ينير. فلا تتواطأ مع النير الظالم الذي يثقل كاهل المسيحيين في العالم. على موقفها أن يكون حازمًا ولا يقبل التحابي والخجل ومراعاة منطق “سياسيا مقبولا” (politically correct) ونضيف عليه، “دينيًا مقبولا”، عندما لا تراعي أمن المسيحيين خشية أن تصدم من هم من غير المسيحيين وتحرجهم كزيارة الرئيس الإيراني روحاني للفاتيكان مؤخرًا الذي أنتجت بلاده فيلما مشينا لشخصية المسيح ومحرّفًا إنجيله! عجيبة أمور الدنيا! لا ينبغي مراعاة الآخرين وبحجة عدم “جرح مشاعرهم” فتسكت وتصمت لتبقى ضمن مواقف غامضة. يبقى هذا موقفًا لا إنسانيا أولا ولا إنجيليا ثانيًا.

سيبقى نيرون وتراجان وغيرهم من أباطرة الموت والوحشية يأخذون وجوهًا جديدة وأشكالا متنوعة مع كل عصر وفي كل مجتمع نعيشه إلى نهاية الدهر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*