الرئيسية / افتتاحيات "الفكر المسيحي" / يا طيّبي العالم اتّحدوا (افتتاحية العدد 483-484)

يا طيّبي العالم اتّحدوا (افتتاحية العدد 483-484)

افتتاحية العدد 483-484رئيس التحرير
في أول سفرة لي إلى روما في عام 1975، بهرني جمالها، فهي قطعة فنية حيثما تلتفت. وأذكر أني وقفتُ أمام عربة لبائع “الآيس كريم” وانتبهت أنه علق صورة البابا الراحل يوحنا الثالث والعشرين، فسألتُه: “لماذا هو؟”، (وليس البابا بولس السادس خلفه آنذاك)، فأجاب: “البابا يوحنا كان فقيرًا مثلنا ويحب الفقراء، لذا لا زلنا نحبّه”.
تذكرت هذا وأنا أتابع في وسائل الإعلام اللحظات الأولى لانتخاب البابا الجديد، القادم من الأرجنتين، فرنسيس، وكيف ظهرت طيبته وبساطته منذ ظهوره الأول على شرفة الفاتيكان، خصوصًا عندما انحنى أمام الناس وطلب صلاتهم وبركتهم. وتناقلت أخبار وصور عن حذائه العتيق وركوبه الباص ودفعه بنفسه فاتورة الفندق في اليوم التالي لانتخابه بابا. تذكرت قبل نصف قرن، الكتب التي راجت عن حكايات (fioretti) أي “زهرات فكهة” عن البابا يوحنا الثالث والعشرين، فقلتُ إنها علامة تذكرنا بضرورة عودة الطيبة.
كل إنسان يحتاج إلى الطيبة، خصوصًا طيبة الآخرين لأننا كائنات اجتماعية، فالطيبة حالة من يهتم بالآخرين، بلطف وتسامح وغفران. وامتدح العرب قديمًا الإنسان الحليم، وتناول الطيبة مفكرون وفلاسفة ورفعتها الأديان، لتضعها في أعلى سلم القيَم. لكن علماء النفس تساءلوا: هل الإنسان طيّب بطبيعته، أم الطيبة مكتسبة؟ ولماذا هناك تفاوت في الطيبة بين الناس، بل حتى في العائلة الواحدة؟
للإجابة عن هذا السؤال يمكن القيام بتجربة بسيطة فنضع كرة على الأرض: النقطة التي تلامس الأرض نسميها القطب الجنوبي والنقطة المقابلة فوق هي القطب الشمالي. إذا وضعنا قطعة فوق الكرة سوف تسقط لأدنى حركة، لكن إذا وضعناها تحت الكرة هي أكثر ثباتا. يمكن القول إذن: الطيبة دائمًا في الأعلى، أي في موقع غير مستقر، لأنها مرتفعة ومتميزة ونادرة، أما الشر فهو سهل، لأنه يستغل قانون الجاذبية، والأشياء تنزل عادة إلى تحت، لذا عندما يكون المرء طيبًا أو سخيا أو غفورا يعدّه الكثير من الناس ساذجًا أو مثاليًا، وأفكاره لا تطابق الواقع، بل يذهب بعضهم إلى تكرار أمثلة مثل: “إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب”، لماذا؟ لأنه أسهل على الإنسان أن يكون ذئبًا من أن يكون حملا، من هنا يعدّ التفاؤل سذاجة غير مرغوب فيها، بل قبيحا، فتنقلب الأمور في بعض المجتمعات، ليصعد السلم لا من هو طيب وخيّر، بل من هو شرير بلا وازع ضمير والمتهوّر والمدعي والمحتال.
قانون الجاذبية إذن يعمل في المسار الاجتماعي ويسميه المفكر الفرنسي رنيه جيرار “المحاكاة”، فهو الصورة التي توضح منظور المجتمعات، التي تتشرب من الظالم فتظلم بدورها، ومن المتعدي الذي يسود فترة، وحتى إذا زال ساد شرّه العلاقات وبقيت السلبية والمآسي تمتلئ بها البيوت، وهذا ما ندوخ به وتقرعنا أخباره في وسائل الإعلام طوال النهار، فيتصور الإنسان العادي أن لا شيء صالح، وهذا نلمسه عادة إما في البلد أو لدى أبناء جالياتنا في بلاد الشتات الملتصقين على الشاشات، لا شغل لديهم سوى متابعة الأخبار، مما يزيد اكتئابهم وقلما يرون بارقة أمل وهذا يشلهم، والحال ليس ما نرى أو نسمع في وسائل الإعلام ما يعكس الحقيقة، فالطيبة موجودة وهذا ما سأحاول البرهنة عليه.
الطيبة لا تعمل ضجة لأنها طيبة، ألم يقل الشاعر:
يا ضيفنا لو زرتنا لرأيتنا          نحن الضيوف وأنت رب المنزل
لذا من الصعب أن نقتنع بأهمية الطيبة لمن يتصور أن ليس في المجتمع سوى ذئاب وخراف فقط!
وهنا، أدعو القارئ إلى زيارة موقع على الانترنت إسمه Olbios (باليونانية يعني الإنسان المتفائل والسعيد)، (http://www.olbios.org)، أسسه شاب فيلسوف يوناني الأصل عالمي الاهتمام إسمه عمانوئيل داميكوس Damigos، يرصد في هذا الموقع أشكال الطيبة في العالم بصورة جدية وبمنهجية عالية، فيعطي عن الطيبين في كل مكان أرقاما وإحصائيات ودراسات اقتصادية مذهلة، فيستنتج ما لا يصدق، أي: “إن الطيبة هي سابع قدرة اقتصادية في العالم”، وهذه حقيقة لأن الطيبة أقوى اقتصاديا من أغلب دول العالم وهي في يد جمعيات “خيرية” تنظم المساعدات من خلال مؤسسات لا تسعى للفائدة والمنفعة، بل هي فقط “إنسانية” بمعنى الكلمة، مؤسسات وجمعيات تعتمد على سخاء الناس من جميع المشارب: مشهورين أو مغمورين، أغنياء أو فقراء، وهم في أنحاء العالم. ويعطي هذا الموقع عنها أرقامًا وحسابات تكشف شيئًا تجهله غالبية الناس. فالإحصائيات تقول، منذ 10 سنوات، تبرع الناس بما وصل إلى ألف مليار دولار، وهذا الرقم في تزايد، والغريب أن في إمكانية هذه المواقع لا أن تعطي إحصائيات بالمبالغ فحسب، بل أن تحصي الطيبة المعنوية، فهنالك أكثر من ملياري ساعة عمل بالمجان يقدمها الناس من وقتهم لمساعدة الآخرين، أرقام واقعية وليست ساذجة ولا مثالية ولا بعيدة عن الواقع. ففي الولايات المتحدة فقط تضاعفت أرقام الطيبة مرتين خلال سنتين، وتزايدت بين 2001-2011 بمعدل 450% وكذا الأمر في أوربا.
للطيبة إذن قياس بالأرقام، وهي بازدياد مستمر بلغ 35% بالسنة، بعكس ما يحدث لأسواق البورصة التي لم يتوقف نزولها. وهذا للأسف لا أحد يكتب عنه ولا تتناوله وسائل الاعلام. في حين اقتصاد الطيبين يعمل بشكل مذهل!
أما إذا التفتنا إلى حيث نحن، وانتبهنا إلى ما حولنا، لرأينا حقًا أن الطيبين أكثر من الأشرار، لكن الطيب لا يعمل دعاية لنفسه ولا يطبّل أمامه. من منا لا يتذكر سنوات الحصار، عائلات فقيرة كثيرة أفلتت من الجوع بفضل الطيبين، قيل لي إن تاجرًا في الشورجة ببغداد، كان كل شهر يساعد 114 عائلة من الأحياء الفقيرة بلا ذكر اسمه.
للطيبة إذن منظور جماعي، لكنها خصوصًا مسألة فردية: فهي ترافقنا منذ طيبة الوالدين، هذه الطيبة التي تفترش وجه الكرة الأرضية كالورود، واعترف بها المسيح قال: “إذا كنتم أنتم الأشرار تحسنون العطاء لأبنائكم فكم يحسن أبوكم السماوي العطاء للذين يسألونه؟” (متى 7/11). فالله طيب وأب للطيبين وحنانه كالأم التي نراها حولنا، وكل الضعفاء والمعاقين والمسنين الذين ينتظرون العون في زوايا الطرق. سلم صبي فقير على رجل غني فقال هذا في نفسه: “بالتأكيد يريد مني فلوسا”، فقال الصبي: “يا عم، سقطت منك محفظتك!”.
من لا يتذكر الجيران الطيبين الذين يطبخون ويخبزون ويوزعون على الجميع بلا تفرقة. وإذا ما حدثت حادثة لبيت ما، الكل يركض ويساعد وينقل ويصرف من جيبه، هؤلاء هم الغالبية طيبون صامتون وهم يشكلون كتلة العالم الكبرى. طيبة عادية لا يراها الناس إلا بعد فواتها، فكم نسمع “أيام زمان”! و”أيام الخير”! بحنين غير واقعي، مجرد عاطفة بلا قياس، فالأرقام اليوم في كل مجال تكشف أننا في وضعية أفضل بكثير مما في الماضي!
قل لي كيف ترى أقول لك من أنت؟ فالمسيح قرب صندوق الهيكل رأى أرملة مسكينة تلقي فيه درهمين فقال: “الحق أقول لكم: هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر مما ألقاه الآخرون كلهم” (لو 21/2). هو رأى أما الباقون فلم يروا: هو صعد إلى دوافعها، فهي طيبة حياتها واقفة على الخير، لا تنزل إلى تحت، لا يهمها إذا نزل غيرها. فالطيب يعرف أن الأشرار قلة، هؤلاء الذين تهمّهم السلطة وجمع المال لأنفسهم فقط، يهدّدون بالقطيعة وتقسيم البلاد، تهمهم الراحة، ويخططون للحصول على الأكثر فلا يشبعون. للأسف، النزول يجتذب الناس ووسائل الإعلام لا تبرز إلا هذه الأمور. في حين تبقى الغالبية جالسة كمشاهدين لا يفكرون. صار المسيح ضحية للشر فقال جملة غريبة عن صالبيه: “أُغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون”! يعرف أن الطيبة هي التي ستخلص العالم وستنكشف في الأخير. فالأرض للودعاء الذين يساعدون إخوتهم عندما يكونون في ورطة، هؤلاء يعبق بهم الجو كما بعطر الربيع. فالدنيا لا تخلو، بل تطفح بالطيبين، وفي كل لغات العالم أصبحت كلمة “إنساني” أو “إنسانية” تعني الطيبة. لأن الأرض مشروع للطيبين وهم سيرثونها (متى 5/5)، وكلنا في قرارة أنفسنا نعرف ذلك ونتمناه بالرغم من الشر والمصائب والبلبلة، لقد جاء وقت رفع شعار جديد: “يا طيّبي العالم اتحدوا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*